عنوان الرواية : مادام الله معنا
#المقدمة ....
الله سبحانه وتعالى خلق الفقر كما خلق الغنى، وخلق الطيبة كما خلق القبح، وأعطاك الحرية لتختار بينهما.
خلق الفقر لنشعر بنعمة الغنى، وخلق المرض لنشعر بنعمة الصحة، وخلق الشر لنقدّر قيمة الخير.
وهذا ما أيقنه وعرفه جيدًا بطل قصتنا، الشاب تقي يدين علي ، وهو ما يزال صبيًا يواجه صعوبات الحياة.
نشأ علي في عائلة محافظة، محترمة، تخاف الله وتؤمن به، تعرف ما لها وما عليها. كان تقي يدين الأخ الأكبر لثلاثة أطفال، وتولّى مسؤولية تربيتهم بعد أن توفي والده وهو لم يبلغ بعد سن الثانية عشرة .
كان علي قد بلغ العاشرة من عمره، وكانت أمه تحثّه منذ الصغر على الدراسة وتعلّم القرآن الكريم. ورغم الفقر والمعاناة، كان ذلك دافعًا لعلي ليبدأ حياة صعبة مليئة بالتحديات، خصوصًا بعد تحمّله مسؤولية تربية إخوته الصغار.
في أحد الأيام الباردة والممطرة، خرج تقي يدين كعادته من المنزل ليلتقي بأصدقائه. ذهب معهم وهو لا يعلم أن هذا اليوم سيغيّر الكثير من شخصيته، ويقلب حياته رأسًا على عقب...
عاد علي إلى البيت، لكنه فوجئ بأمه وإخوته الثلاثة يقفون خارج المنزل! أسرع إليهم يستفسر:
– "ما الخطب يا أمي؟"
أجابته والألم يملأ قلبها:
– "عمك طردنا من البيت."
لم يصدق تقي يدين ما سمعه. تمتم في نفسه: "مستحيل... مستحيل أن يفعل عمي هذا بنا!" ثم قال لأمه بحزم:
– "سأذهب إلى بيت عمي لأعرف ما حدث."
حاولت أمه منعه، لكنها لم تستطع إيقافه.
أصر علي على الذهاب... ويا ليتَه لم يذهب.
المطر كان يقرع أسطح البيوت كطبول الحرب، والريح تعصف بأبواب الأزقة الضيقة. كانت قطراته تتسابق على وجه علي، تختلط بحرارة دموعه التي لم يجد وقتًا ليخفيها.
وقف أمام باب عمه، يده ترتجف وهو يطرق بقوة:
– "عمي! افتح... أرجوك، قل لي لماذا؟! أين سنذهب في هذا البرد؟!"
لم يأتِه الرد، سوى صرير الباب وهو يُفتح قليلًا، ليطل ابن عمه بوجه جامد، ثم يدفعه للخلف بعنف.
تراجع علي خطوة، شعر ببرودة الماء يتسلل إلى حذائه الممزق، والوحل يلتصق بقدميه.
نظر إلى السماء، المطر يلسع وجهه كالسياط، وهمس لنفسه:
"يا رب... إذا كان هذا اختبارك، فأعنّي على الصبر."
في تلك اللحظة، أدرك علي أن العالم أضيق بكثير من أن يمنحه مأوى، وأوسع بكثير من أن يرحمه... لكنه أقسم في قلبه أنه سيحارب حتى آخر نفس، من أجل أمه وإخوته.
اشتد المطر، واختلطت قطراته بدموع علي. أحس أن كل شيء حوله يتهاوى، كأنه يعيش كابوسًا ثقيلًا. بدأ يصفع وجهه بكفّيه قائلاً: "استفق يا علي، هذا ليس وقت الأحلام!" لكن للأسف، لم يكن يحلم... لقد استيقظ على واقعٍ قاسٍ.
جلس تحت المطر، يتساءل في نفسه: "أين سأذهب بأمي وإخوتي؟ يا رب، لقد قست القلوب، لماذا أنا؟"
ذلك اليوم، ذاق علي مرارة اليُتم الحقيقي، أيقن أنه أصبح بلا مأوى ولا سند، وأنه عليه أن يتحدى الحياة بكل ما فيها من قسوة، من أجل أمه وإخوته.
"ذلك اليوم، وُلد رجل جديد من قلب العاصفة، رجل اسمه علي، لم يرحمه العالم... لكنه لم يرحم العالم أيضًا."
#الفصل_الأول
عاد علي بخفّي حُنين، منكسر القلب، والدموع بالكاد تفارق عينيه. كان يمشي ببطء، يترنّح يمينًا ويسارًا، كأن جسده يرفض حمله. كلما تقدّم خطوة إلى الأمام، عاد خطوتين إلى الخلف، ليس لأن الطريق صعب، بل لأنه لا يريد مواجهة أمه وإخوته وهو في تلك الحالة.
كان يعلم يقينًا أن هذا ليس وقت الانهيار، بل وقت التماسك والنهوض من جديد.
وفي طريقه نحو البيت الذي طُرد منه، بدأ يسأل نفسه بصوت داخلي يملؤه الألم:
"لماذا قست القلوب؟ لماذا نعيش وسط هذا الظلام الدامس، رغم أننا نستطيع أن نحيا في النور؟ لماذا أغلقت كل الأبواب في وجهي؟ أين سأذهب الآن بعائلتي؟ أين الرحمة؟ أين المبادئ والعِفّة؟"
كانت الأسئلة تجرح قلبه كخناجر باردة، كل واحدة تغوص أعمق من التي قبلها.
الأمر لم يعد مجرد تحدّي توفير لقمة العيش لعائلته...
الآن، أصبح علي مجبرًا على البحث عن مأوى جديد، بيت يحميهم من المطر الذي يقرع الأسطح بلا رحمة، ومن البرد الذي يتسلّل إلى العظام.
بيت يخبّئ فيه أمه وإخوته من قسوة هذا العالم الذي لم يُبقِ لهم شيئًا... سوى الأمل.
احتضن علي أمه وإخوته الصغار، يحاول أن يقيهم من قطرات المطر ولسعات البرد القارس بجسده النحيل. سار بهم نحو وجهة مجهولة... وجهة لا يعلمها إلا الله عز وجل.
وأثناء سيرهم، مرّ علي بجانب بيت أحد أصدقائه. همس لنفسه: "الصديق وقت الضيق... أكيد جمال سيساعدني"
توقف أمام الباب، تردّد قليلًا، ثم طرق وهو ينادي:
– "جمال! افتح، أنا علي."
خرج جمال، وما إن رأى حالته حتى اتسعت عيناه دهشة:
– "ماذا حدث لك؟"
قصّ عليه علي القصة كاملة، وعيناه تفيضان بالدموع، ثم تنهد بعمق:
– "يا جمال، هل بإمكاننا قضاء هذه الليلة عندكم؟ فليس لدي مكان آخر أذهب إليه..."
تلعثم جمال في الرد، ثم قال:
– "انتظر، سأستأذن والدي ووالدتي وأعود."
انتظر علي... عشر دقائق، ثم عشرين... حتى بلغت النصف ساعة. كانت أمه ترتجف من البرد، وإخوته الصغار يجهشون بالبكاء، الجوع يقرص بطونهم وكأنها أصبحت مرتعًا للعصافير.
أخيرًا، عاد جمال، لكن وجهه كان يكسوه الإحباط والحرج. كان يحمل في يده حذاءً أفضل من ذلك الممزق الذي ينتعلُه علي.
– "آسف يا صديقي، ليس لدينا مكان شاغر... هذا كل ما أستطيع مساعدتك به."
ثم مدّ له الحذاء، وأغلق الباب ببرود.
تجمّد علي مكانه، نظر إلى أمه التي يكاد البرد يقطع أطرافها، وإخوته يصرخون من شدة الجوع.
في تلك اللحظة، لم يتمالك نفسه، فانهمرت دموعه كسيلان الأنهار، دون توقف.
مسح عينيه بكفه المرتجف، ثم التفت إلى الطريق المظلم، وقال في نفسه:
"لا بأس... سنواصل، ما دام الله معنا."
ومضى بعائلته نحو المجهول... والمطر ما زال يتساقط بلا رحمة.
تلك الكلمة: "ما دام الله معنا"… قالها علي بعفوية، لكنها كانت كالمفتاح الذي فتح أبواب قلبه على النور.
بدأ يستشهد بآيات من القرآن الكريم ليواسي أمه:
– "وبشر الصابرين..."
ابتسم علي للقدر، ثم قال لها بنبرة مليئة باليقين:
– "أمي، الفرج قريب. الله لن يتركنا وحدنا، سيُسخّر لنا عبدًا من عباده أرحم من عمي ومن صديقي. أمي، من الآن، لن أطرق باب أحد… بل سأدعو وأبكي لله وحده. الله إذا أعطى، أدهش… ولن يعجزه شيء."
كانت أمه تصغي بصمت، بينما المطر يتساقط على وجهيهما كدموع السماء.
لكن في غمرة هذا الحديث، لم ينتبه علي إلا على مشهد جعل الدم يتجمد في عروقه…
أخوه الصغير يركض نحو الطريق!
صرخ بأعلى صوته:
– "توقف! توقف! السيارة قادمة… توقف!"
انطلق علي راكضًا بكل ما أوتي من قوة، لكن خطواته كانت أبطأ من لحظة القدر.
ارتطمت السيارة بجسد أخيه الصغير… وطرحه على الأرض بقوة.
ساد صمت ثقيل للحظات، قطعه صوت أمه وهي تصرخ وتبكي بحرقة، صرخة تمزق القلب قبل أن تخترق الأذن.
ركع علي بجانب أخيه، رفعه بين ذراعيه وهو يصرخ:
– "أخي! أفق… تكلم، طمئنّي أنك بخير! قل ولو كلمة واحدة!"
لكن أخاه كان صامتًا… صامتًا حدّ الرعب.
لم تتحرك شفتاه، ولم تفتح عيناه.
تجمّدت الدموع على خد علي، وأحس أن قلبه ينهار…
هل مات أخوه؟ أم أن هناك أملًا لم ينطفئ بعد؟
.........
تجمّع الناس حول علي وأخيه، واتصلوا فورًا بسيارة الإسعاف التي وصلت بسرعة وحملت صفي الدين إلى المستشفى. كانت حالته حرجة للغاية.
أمه لم تتوقف عن البكاء ولو للحظة واحدة، بينما كان علي يحمل أخته الصغرى مريم بين يديه. تلك الرضيعة التي لم يكتمل بعد نمو أسنانها الأمامية، لم تكن تعي ما يجري، وابتسامتها البريئة كانت كنسمة تروح على قلب علي المثقل بالهموم.
أما قيس، أخوه الأوسط، فكان عالقًا بين براءة الطفولة وبداية وعيه بالحياة.
توقفت الأم عن البكاء للحظات، وساد الصمت… قبل أن يقطعه خروج الطبيب من غرفة الإنعاش، متجهًا نحوهم وعلامات التوتر على وجهه.
أمسك بيد علي وقال:
– "نحن بحاجة إلى دمٍ لأخيك صفي الدين."
قاطعه علي بصوت مرتجف:
– "هل تجاوز مرحلة الخطر؟ أرجوك، قل لي إنه بخير… أنقذ أخي، لا تدعه يرحل ويتركنا."
احتضنه الطبيب، وعيناه تلمعان بالدموع، وقال:
– "ادعوا الله فقط، نحن مجرد سبب… فعلنا كل ما بوسعنا، ولم يبقَ إلا حكم الله وقدره."
سقطت كلمات الطبيب على قلب علي كالصاعقة. شعر أن خسارة أخيه باتت وشيكة. امتزجت دموعه بلعاب مريم التي لا تعرف من الدنيا سوى الابتسامة وحركة يديها الصغيرة.
قيس كان يراقب الموقف بقلب مثقل، يشعر وكأنه على وشك أن يودع رفيق دربه وصديق طفولته الذي لم يفارقه إلا عند النوم.
أما الأم، فكانت تعيش حالة لا يمكن للكلمات أن تصفها… إنها على وشك أن تفقد فلذة كبدها، وكل من يعرف قلب الأم يدرك معنى ذلك.
ذهب علي مع الطبيب إلى غرفة التبرع بالدم، وقد كانت فصيلة دمه مطابقة لفصيلة دم صفي الدين.
أكمل تبرعه، ثم أخرجته الممرضة بعد الانتهاء، فعاد إلى أمه وإخوته، ونظر إليهم من بعيد قائلاً في نفسه:
"كانوا أربعة… وأصبحوا ثلاثة."
مرت الساعات بطيئة وثقيلة، حتى أشارت الساعة إلى الثانية صباحًا، ولا جديد عن حالة صفي.
على مقاعد المستشفى الباردة، افترش علي وأمه وإخوته تلك الكراسي الصلبة كفراش يقيهم من التعب، بعد يوم كان ربما الأصعب في حياتهم.
استيقظ علي وأمه على صوت مشاجرة بين أحد المرضى ورجال الأمن في المستشفى. فتح علي عينيه ببطء، وهو يدعو الله أن يكون كل ما مر به مجرد كابوس، لكنه سرعان ما أدرك أن الواقع أكثر قسوة.
وما هي إلا لحظات، حتى رأى الأطباء يركضون نحو غرفة صفي الدين.
لم تستطع أمه الوقوف من شدة الخوف، أما علي فلم يشعر بنفسه إلا وهو يركض معهم، يصيح بأعلى صوته:
– "أخبروني! ما الذي حدث لأخي؟!"
لكن أحدًا لم يجب…
هل هي النهاية… أم بداية لحياة جديدة؟
حاول تقي الدين الدخول، لكن الممرضة منعته.
دفعته بكل قوة، إلا أنها لم تستطع إيقافه، وعلي يصيح:
– "أريد أن أرى أخي! أريد أن أرى أخي! ماذا حدث لك يا صفي؟"
وما هي إلا لحظات حتى سمع صوت أمه وهي تصرخ بأقصى صوتها بعد أن لحقت به:
– "يا ابني صفي، لا ترحل وتتركنا! يا صفي، أنا أمك، رد علي! لا تتركنا! يا الله خذني أنا بدلاً منه!"
استفسرت الأم من الطبيب عن حالة فلذة كبدها، فطمأنها أن حالته مستقرة، لكنه تعرض لنزيف حاد في ساقه اليمنى، والحمد لله تمكنا من السيطرة عليه. وأخبرها الطبيب:
– "إذا لم يستفق صفي من الغيبوبة خلال 42 ساعة، فستتأكد احتمالية موت الدماغ، ويكون صفي قد مات سريريًا."
كان هذا الكلام كزلزال في قلب الأم وهز كيان علي. دموع الأم أصبحت كسيلان الوديان في يوم ممطر، أما علي فتجمدت دموعه وكأنه وقع في صدمة. بدأ يحرك شفتيه ببطء، يهمس ويقول:
– "يا الله، يا الله، اشفِ أخي، يا عزيز يا قدير، قد عجز عبادك عن شفائه وأنت لا يعجزك شيء، يا رحمن، يا أرحم الراحمين."
وفجأة، بعد هذا الدعاء، شعر علي براحة لا مثيل لها، وأحس بسعادة في قلبه وبريق أمل. توجه إلى أمه ومسح دموعها وقال لها بحزم:
– "أمي، ما دام الله معنا فلن نخشى شيئًا. أخي صفي بين يدي الله، وهل هناك أرحم من الله على صفي؟"
تلك الكلمات نزلت كثلج على قلب أم علي، فأطفأت حرقة الفقدان وأحيت نور الأمل في قلبها. أمسكت بيد علي ووقفت مبتسمة، وقالت:
– "اذهب وأحضر أكلاً لأخيك قيس، ولا تنسَ حصة صفي، سيفيق ويتناولها."
احتضن علي أمه وقال بثقة:
– "نعم، سيفيق… فقط لأن الله معنا يا أمي. ما دام الله معنا لن أخشى على حالة أخي صفي، فهو في رعاية الله وحفظه."
كل الأطباء والممرضين تفاجؤوا بصلابة علي وأمه، رغم أنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن صفي الدين بحاجة إلى معجزة حقيقية ليستفيق، معجزة لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى وحده.
صفي الدين طفل في السادسة من عمره، دَهَسته السيارة بقوة وطرحته أرضًا. لم يتحمل جسده الصغير كل ذلك الألم، بعد أن تعرض لكسر في الساق اليمنى واليد اليسرى، إضافة إلى نزيف حاد في الرأس بسبب ارتطام رأسه بالأرض بقوة.
أجمع الأطباء على أن احتمالية نجاته لا تتعدى 5%، لأن أغلب مناطق دماغه توقفت عن إرسال الموجات الكهربائية، حيث إن مخ صفي الدين متوقف بنسبة تقترب من 45%. لكنهم يعلمون جيدًا أنه بحاجة إلى معجزة حقيقية ليستفيق من غيبوبته.
أخوه قيس يكبره بسنتين، وأخته الصغيرة مريم لا تتجاوز السنتين، ولم تنل شرف رؤية والدها الذي توفي قبل أن تفتح عينيها البريئتين في هذا العالم، أي قبل ولادتها بأشهر قليلة.
أبو علي كان تاجرًا ميسور الحال في البداية، قبل أن يتعرض للاحتيال من قبل أخيه (عم علي الذي طردهم من البيت).
علي، بطل قصتنا، يبلغ من العمر أربعة عشر عامًا، وقد تولى مسؤولية تربية إخوته الصغار منذ الصغر، لأن والده تعرض لوعكة صحية جعلته غير قادر على المشي.
ظل والد علي على تلك الحالة متأثرًا بخيانة أخيه حتى توفاه الله، وترك الأمر كله لتقي الدين.
هذا ما جعل علي أكثر صلابة في مواجهة مثبطات الحياة. أقسم أنه لن يترك أمه وإخوته للضياع، حتى ولو كلفه ذلك حياته.
أمسك بيد أمه، وحمل أخته مريم بين ذراعيه، وخرج من الغرفة التي ينام فيها صفي.
تأخر قيس قليلًا في اللحاق بهما، وكأنه أحس أن ساعة وداعه لأخيه قد اقتربت، فظل يتأمل في وجهه وكأنه يقول:
"قد تكون هذه آخر مرة أراك فيها يا أخي…"
جلس علي وأمه وإخوته على كراسي المستشفى، وكلهم أمل أن يتجاوز صفي الدين مرحلة الخطر. استأذن علي أمه وترك إخوته معها، وذهب إلى مسجد قريب من المستشفى.
دخل تقي الدين المسجد بعد الوضوء، وصلى ركعتين تحية للمسجد، ثم أتبعها بكل الصلوات الفائتة. بعد انتهائه، صلى ركعتين لله وبقي فيهما ساجدًا متضرعًا، يبكي خشوعًا لله، ويدعوه بحرقة حتى بللت دموعه سجادة المسجد.
كان يقول:
> اللهم يا ملك الملك، يا عزيز الذي لا نعرف عنك إلا الرحمة، يا الله اشفِ أخي، فلا شفاء إلا ما أذنت به. اللهم أنت سندي الوحيد المتبقي، وأنت كل شيء، ارحمني يا الله وأخرجني من ظلمات مصيبتي إلى نور رحمتك.
اللهم إني عبدك الضعيف الماثل بين يديك، لا مفر لي منك إلا إليك، أعد لي أخي يا رحمن يا رحيم. اللهم إني أسألك باسمك الأعظم الذي سميت به نفسك، ألا تخزني في أخي.
وبعد انتهاء علي من صلاته، غط في نوم عميق بسبب التعب والإرهاق.
رأى علي في منامه أخاه صفي يقترب منه، يمسح دموعه ويبتسم، ويقول:
> "أخي، ما دام الله معنا لا داعي للبكاء. نحن مع الله يا أخي، لا تحزن."
لم يصدق علي ما رآه، وأمسك أخاه بين أحضانه قائلًا:
> "هيا نذهب، أمي تنتظرك، لقد أحرقت قلبها يا صفي! الحمد لله أنك بخير، هل شُفيت؟"
ضحك صفي وقال:
> "ما دام الله معنا، لا تحزن يا أخي، أنا بخير وهناك من يعتني بي. لا تبكِ علي مرة أخرى، فأنا معك، لن أتركك. ما دام الله معنا فلن يحدث لي شيء."
وفجأة، رأى علي صورة أخيه تتلاشى، وسمع شخصًا يناديه: "هاي أنت! قم، قم!" فتح تقي الدين عينيه، فوجد رجلًا يوقظه من النوم، ورأى الناس في المسجد ينظرون إليه باستغراب. تأكد أن ما رآه مجرد حلم، وقال في نفسه: يا ليتني لم أفق من ذلك الحلم. ثم صلى صلاة العصر جماعة، وعاد إلى المستشفى.
كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلًا، ولا جديد حول حالة صفي الدين. لم يتبق سوى ثلاث ساعات ليتأكد الأطباء من موته السريري.
تفقد الطبيب حالته ووجدها ميؤوسًا منها، فأخبر الممرضة أن تسمح لعلي وأمه بالبقاء معه ليودعوه في آخر ثلاث ساعات.
دخل علي وأمه غرفة صفي، وأمسك بيد أخيه، وبدأ يتذكر الأيام التي كان يحمله فيها على كتفيه ويلعب معه، ويتذكر يومه الأول عند الحلاق حين رفض الحلاقة إلا وهو على حجر أخيه. تذكر علي كل الأيام الجميلة، وكيف كان صفي شديد التعلق به لأنه دائم الدفاع عنه، وكيف كان يحرم نفسه من أبسط الأشياء ليعطيها له.
لم يتحمل علي الموقف، فانهار باكيًا وهو يصرخ:
> "لا تتركنا يا صفي، لا ترحل! يا الله، أمسك علي صفي الدين من كتفيه ولا تحل بيني وبينه، يا الله رده إلي!"
حاولت الممرضة تهدئته دون جدوى، فنادت الطبيب والأمن لإخراجه. لكن أثناء صراخه، بدأت آلة قياس الموجات الكهربائية في دماغ صفي ترتفع من 58% إلى 70%، ثم 90%، ثم 95%! لم يصدق الطبيب ما رأى، فأسرع نحو صفي ووجد أن دماغه بدأ بالفعل بإرسال موجات كهربائية في كل المناطق المتوقفة.
أدرك الطبيب أن صوت علي وصراخه القوي شكّل صدمة عاطفية لصفي، أيقظت دماغه وأعادته للحياة. لقد كانت درجة حب صفي لعلي سببًا في عودته.
أفاق صفي من غيبوبته أخيرًا بمعجزة لم يصدقها أحد. الأطباء أطلقوا عليه لقب "الطفل المعجزة"، والجميع جاء لرؤيته. علي عندما رأى عيني أخيه تتحرك، سجد لله شكرًا، وأمه أيضًا سجدت وهي تردد: "نعم، الله معنا، الله معنا، الحمد لله!"
امتلأت الغرفة بالتسبيح: "سبحان الله، سبحان الله"، فقد عاد صفي للحياة من جديد.
علي أيقن أن الله كان دائمًا معه، رغم الفقر والمعاناة والحادث الذي أصاب أخاه. لم يطلب شيئًا من أحد إلا من الله سبحانه وتعالى. هذه هي علاقة العبد بربه.
لكن… ماذا سيحدث بعد أن استيقظ صفي الدين؟
هل هي بداية طريق جديد تسلكه هذه العائلة الصغيرة؟
لقد ظن الجميع أنهم وحدهم، لكن كان معهم أهم ما في الكون… الله سبحانه وتعالى.
الفصل الثاني :

وفي مستشفى بن باديس بقسنطينة ما زال صفي الدين ينام في إحدى غرفه الدافئة، بينما خرج علي إلى شوارع قسنطينة الباردة ليبحث عن منزل يحميه هو وعائلته من جو الشتاء البارد والقاسي.
مر تقي الدين فوق جسر سيدي مسيد متوجهًا إلى وجهة مجهولة، ووقف هناك للحظات بدأ يتأمل فيها تلك المناظر الرائعة التي تخفف عن نفسيته ولو القليل من الهموم والأثقال، وهو يفكر أين يذهب وما هي وجهته، حتى فوجئ برجل يضع يده على كتفه وقال له ممازحًا:
– هل تريد أن ترمي نفسك من فوق الجسر يا ابني؟
تفاجأ علي من برودة يديه والتفت إليه:
– لا يا عم، أنا فقط أستمتع بهذه المناظر.
فسأله الرجل:
– وما خطبك يا بني؟ أرى الهموم بادية على وجهك رغم محاولتك إخفاءها بابتسامتك الجميلة.
فقال علي:
– لا شيء يا عم، أنا فقط لم أنم جيدًا ليلة أمس.
لكن رغم ذلك لم يقتنع الرجل بكلام علي، فثيابه رثّة ولا يرتدي جاكيت، ولون وجهه الشاحب يفسر كل شيء.
أمسك الرجل بيديه وقال:
– تعال معي نمشي قليلًا إن كان لديك متسع من الوقت.
تردد علي في البداية، لكن قدميه وجدتا نفسيهما تتحركان في نفس طريق الرجل دون أن يأذن لهما بذلك.
سار تقي الدين مع الرجل فوق الجسر وبدأ الرجل يسأل علي:
– أين والدك؟ وماذا تفعل وحدك في هذا الجو البارد؟
فقال علي:
– والدي توفي قبل ثلاث سنوات.
اعتذر الرجل من علي وقال:
– لم أعلم أن أباك متوفى، رحمه الله، أعتذر على ذلك.
ثم توجه الرجل إلى سيارته التي ركنها في الجهة الأخرى من بداية الجسر، وفتح باب السيارة وقال لعلي:
– اجلس هنا يا بني، سأذهب لأشتري بعض الأغراض وأعود إليك، لا تذهب إلى أي مكان.
عارض علي في البداية بحجة أن الرجل لا يعرفه، لكن قلبه ارتاح له فجلس في السيارة ينتظر.
عاد الرجل وهو يمسك بأكياس وضعها في صندوق السيارة، ثم ركب بجانب علي وأدار المقود متجهًا صوب المستشفى.
استغرب علي ذلك ولم يفهم شيئًا، ولما بدأ بالكلام مع الرجل، استوقفه الرجل وقال:
– أنا من دهست أخاك الصغير بالسيارة.
تفاجأ علي من كلام الرجل وبدأ بالصراخ:
– ماذا فعلت بنا؟ هل تعلم أن أخي عاد من الموت؟ هل تعلم بتلك الظروف التي مررنا بها؟ لماذا هربت ولم تأتِ؟
فقاطعه الرجل:
– ومن قال لك إنني هربت؟ لقد كنت معكم طوال تلك المدة في المستشفى ولم أفارق أخاك وأمك ولو لحظة واحدة، بل كنت أنظر إليكم وأتفقد حالتكم من بعيد. أنا أيضًا مررت بأيام صعبة من تأنيب الضمير، ولمّا استفاق أخوك من غيبوبته شعرت وكأني وُلدت من جديد. لم أرد أن أخبركم بالحقيقة خوفًا من ردّ فعلكم، وأنا من اتصلت بالشرطة وسلّمت نفسي مباشرة بعد أن نقلت سيارة الإسعاف أخاك. بل لحقت بكم إلى المستشفى لأن الشرطة قالت لي: لا يمكننا توقيفك، لم تصلنا أي شكوى بخصوصك. نصحني الشرطي بأن أبقى إلى جانبكم حتى تمر هذه المرحلة ثم أسلّم نفسي.
– يا ابني علي، تأكد أنني لن أتركك وحدك من الآن، ستكون أنت وعائلتك عائلتي الثانية، وسأفعل المستحيل من أجل أخيك المصاب.
لم يجد علي ما يقول بعد أن رأى دموع الرجل، فقال له الرجل:
– الحادث كان صدفة، وأخوك هو من قطع الطريق فجأة، ولم أتمكن من السيطرة على فرامل السيارة.
وفي تلك اللحظات وصل الرجل وعلي إلى المستشفى، حمل الرجل الأكياس وتوجه مباشرة إلى غرفة صفي، حيث التقى أم علي.
اعتذر منها باكيًا وطلب منها أن تغفر له، فابتسمت الأم قائلة:
– يا أخي، ما حدث كان قدرًا.
قال لها الرجل:
– أطلبي مني ما شئتِ.
فردت الأم:
– لن أطلب منك شيئًا، الحادث كان قدرًا من عند الله، وأنا سامحتك في الدنيا قبل الآخرة، ولن أقدم أي شكوى ضدك.
وضع الرجل الأكياس أمام أم علي وشكرها، ثم احتضن علي وقبّله على رأسه وقال له:
– تعال معي.
فقال علي:
– إلى أين؟
– إلى فناء المستشفى لنتحدث قليلًا.
رافق علي الرجل وجلسا على كراسي المشفى، فسأله الرجل:
– أين تسكن؟
– كنا نسكن في عوين تلفون قبل أن يطردنا عمي من منزلنا.
تفاجأ الرجل:
– والآن أين تقطنون؟
– نحن بلا سكن.
فوجئ الرجل بكلام علي وزادت الحسرة في قلبه، وسأله عن سبب طرد عمه له، فقص عليه علي كل ما حدث.
تأثر الرجل كثيرًا، ثم قال:
– أنا عمك حسين، أمتلك مصنعًا لمواد التنظيف في حي جنان الزيتون، وبيتي في المدينة الجديدة علي منجلي. تأكد يا ابني أنني لن أترككم لوحدكم من الآن.
قاطعه علي:
– ألم تسمع ما قالت أمي؟ لا نريد منك شيئًا ولن نأخذ منك ولو فلسًا واحدًا بسبب حادثة أخي، لن نجعل من الحادث وسيلة لجني الأموال.
ابتسم حسين وقال:
– ومن قال لك إنني سأعطيك النقود دون مقابل؟ ستعمل عندي في المصنع.
اندهش علي من الفكرة، ثم ارتاح لها، وقال:
– لكن يا عم، أنا ما زلت صغيرًا في الرابعة عشرة وليس لدي خبرة.
– لا تقلق، سأعطيك عملًا يتناسب مع حجمك الصغير.
ضحك علي لأول مرة منذ الحادث، وقال في نفسه: "الحمد لله، هذه أول علامات الفرج".
خرج علي مع عمه حسين، وتوجها إلى محل لبيع الهواتف النقالة، واشترى له هاتفًا، رفض علي في البداية، لكن حسين أقنعه بأنه سيخصم ثمنه من مرتبه الشهري، فوافق بصعوبة.
اتفقا على الالتقاء غدًا بعد صلاة الظهر ليبدأ علي حياة جديدة، وكأن الله سخّر له حسين، وجعل الحادث سببًا للقاءهما.
> "عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم"، ربما ما يخبئه الله لعلي وعائلته خير كثير.
ربما حياة علي ليست إلا مرآة لحياة آلاف الأشخاص الذين يشبهونه في المعاناة، لكن تختلف السيناريوهات والفرج واحد، لأننا نوقن أن الله لا يضيع عبده مهما حصل.
والآن نعود إلى قصتنا… كيف ستكون حياة علي مع هذا الرجل الذي تعرف عليه حديثًا؟ هذا ما سنتعرف عليه في قادم المواعيد…
عاد علي إلى المستشفى وعلامات الفرحة بادية على وجهه، لقد ابتسم له القدر أخيرًا، فحمد الله وشكره على هذا الباب الذي فُتح له ولأهله من العدم.
وصل علي إلى غرفة صفي، ولأول مرة يرى أخاه فاتحًا عينيه ومبتسمًا. لم يستحمل علي ذلك المشهد، لأنه كان على شفا حفرة من خسارة أخيه إلى الأبد، فأسرع وارتمى بين أحضان أمه، قبل رأسها ثم رأس صفي الدين.
وقال له: "أهلًا صفي، لقد قلقنا عليك يا أخي، لقد أرعبتنا."
ابتسم صفي وأمسك بلطف بيد علي وقال له: "أنا جائع يا أخي، أريد أن آكل، أحضر لي بعض الطعام."
قال علي: "أفرحتني بهذا الطلب يا أخي، عزّ الطلب! سأأتيك حالًا بأحلى الأطعمة، لكن عليك أولًا أن ترتاح قليلًا، نم بينما أحضر لك الطعام."
غفت عينا صفي الدين، الذي لم يعد له وعيه الكامل بعد، وأشارت الأم لعلي أن الأطباء منعوا عليه كل الأطعمة باستثناء السيروم، حتى يعود له وعيه كاملًا ويبدأ الأكل تدريجيًا، لتتعود أمعاؤه على الطعام الذي فارقته لسبعة أيام كاملة.
جلس علي بجانب أمه وقصّ عليها ما حدث بينه وبين عمه حسين. عارضت الأم الفكرة في البداية، لكنها نظرت إلى صفي الذي يحتاج إلى رعاية خاصة بعد خروجه من المستشفى، وكذلك ابنتها مريم الرضيعة التي لن تقاوم أبدًا برودة طقس قسنطينة القاسية، وأيضًا قيس الذي انشغل بالنظر إلى أخيه، وهو الذي ظن في البداية أن لا تتاح له الفرصة للعب معه.
وبينما علي وأمه يتبادلان أطراف الحديث، دخل الطبيب واستأذن الجميع لإجراء فحص روتيني لصفي...
انتهى الطبيب من الفحص وطلب الأم على انفراد.
خرج الطبيب مع أم علي والدهشة تملأ وجهها، لكنها أخفت ذلك التوتر والخوف الباديين على محياها. قاطع الطبيب حيرتها وأخبرها أن دماغ صفي قد تجاوز تمامًا مرحلة الخطر والحمد لله، وأن الفحص بالأشعة على مستوى الرأس أظهر نتائج مرضية للغاية، أي أن صفي تجاوز مرحلة الخطر. لكن هناك أمر آخر لا بد من إخبارها به...
قالت الأم بملامح يكسوها الرعب والخوف على فلذة كبدها: "ماذا؟"
أخبرها الطبيب أن صفي يعاني من كسور متفاوتة الخطورة على مستوى الساق اليمنى، كانت مهددة بالبتر، لكنه استجاب لداعم في آخر لحظة، وتمكنا من ترميم العظم بداعم اصطناعي. لكن صفي ما زال في حاجة ماسة إلى داعم آخر ليستطيع الحراك من جديد، وهذا الداعم غير متوفر في المستشفى الجامعي بن باديس، وسيبقى صفي الدين عاجزًا عن الحراك إلى أن يلتئم العظم من جديد، أو إلى أن تُجرى له عملية أخرى لوضع داعم إضافي قد يسرع وقت شفائه ووقوفه مجددًا على قدميه.
في البداية شعرت الأم بالإحباط، لكنها سرعان ما تذكرت الحالة التي كان عليها صفي وكيف تحسّن في وقت وجيز، فقالت للطبيب: "سيجعل الله لنا مخرجًا، من أفاق صفي من غيبوبته لن يعجزه شفاء ساقه، الحمد لله هكذا ولا أكثر."
حياها الطبيب على ثباتها وشجاعتها، وغادر مبتسمًا مما سمعه من أم علي الصابرة والمؤمنة بقضاء الله وقدره.
كل ذلك الصبر والثبات الذي بان على بطل قصتنا علي، ما هو إلا نتاج تربية هذه الأم التي لا يفارق لسانها الذكر، وتحمد الله وتشكره في كل دقيقة.
عادت الأم إلى غرفة صفي، وأخبرت علي بما سمعت من الطبيب، لكن تقي الدين أجابها: "ما دام الله معنا، لن يقلقني حال أخي، سيتجاوز عجزه كما تجاوز غيبوبته، لأن الله معنا، لن يتركنا يا أمي، لن يتركنا..."
بعد أن علم مدير المستشفى بالظروف التي تمر بها عائلة علي، وفر لهم غرفة بجانب غرفة صفي، ووفّر لهم طعامًا مجانيًا طيلة مدة مكوث صفي الدين داخل المستشفى.
وهنا، تأكد يا صديقي أن الله قبل أن يمتحنك، يسخر لك من يعينك في محنتك. عندما قال علي "ما دام الله معنا" لم يقلها بمحض الصدفة أو من فراغ، بل قالها وهو يشعر بتلك الرعاية الإلهية التي أحيط بها.
نام علي وأهله في سكينة لأول مرة منذ حادثة طردهم من البيت، وعلي لا يعلم أنه ما زال مقدرًا له أن يواجه مزيدًا من التحديات والصعاب في قادم الأيام، وكل ما حدث له ما هو إلا بداية لقصة ومغامرة جديدة سيخوضها هو وأهله...
استفاق علي من نومه على شعاع الشمس الخفيف والدافئ، بعد أيام ممطرة وباردة أذاقت علي وأهله مرارة الطقس القاسي في فصل الشتاء البارد.
بعد لحظات، استيقظت والدته وأخوه قيس، وبقيت أخته مريم نائمة في هدوء، تبتسم ابتسامة خفيفة بريئة، وكأنها تحلم حلمًا جميلًا في عالمها الذي يخلو من الواقع القاسي.
توجه علي ووالدته وأخوه قيس مباشرة إلى غرفة صفي الدين، فرأى وجه أخيه تكسوه حلة جديدة، تزيل ذلك الشحوب الذي غلب على وجه صفي لأيام بسبب الظروف التي مر بها.
اقترب علي من أخيه صفي، يمسكه بلطف، يضع يده على رأسه، ثم يقبله على خده، وكانت السعادة بادية على وجوه الجميع. بقي علي بجانب أخيه وأمه وأخوه لأطول مدة ممكنة، وظل يلعب مع صفي الدين حتى تفاجأ بصوت رنين في جيبه.
مد يده إلى جيبه مستغربًا ذلك الرنين، فتفقد جيبه، فوجد الهاتف الذي اشتراه له العم حسين. ضرب على رأسه بكفه وقال لأمه: "لقد نسيت، اتفقنا أنا والعم حسين على الالتقاء بعد الظهر."
فأجابته أمه: "رد على الهاتف."
رد علي على ذلك الاتصال، وإذا به عمه حسين يستفسر عن حالة أخيه صفي. طمأنه علي على حالة أخيه صفي، وأخبره أنه بخير والحمد لله، لقد فتح عيناه وبدأ بالأكل بشكل تدريجي.
سعد العم حسين جدًا بذلك الخبر، وقال لعلي: "تعال لنلتقي في المسجد القريب من المستشفى، نصلي الظهر جماعة، ثم نتفق على عملك الجديد عندي."
وافق علي على لقاء العم حسين، أغلق الهاتف، وما هي إلا لحظات حتى دخل عليهم رجل، ومعه مجموعة كبيرة من الأطباء والممرضين يحملون أكياسًا في أيديهم.
تفاجأ علي وأمه، وسرعان ما عرف ذلك الرجل بنفسه وقال لهم: "أنا مدير المستشفى، سعدت كثيرًا بهذه الزيارة."
أعطوا هدايا كثيرة لصفي الدين، الذي لم تغادر الفرحة وجهه.
الطبيب الذي أشرف على حالة صفي الدين أهداه قلادة مرصعة بالفضة مكتوب عليها: "ما دام الله معنا، لن نخشى شيئًا."
سعدت عائلة علي كلها بهذه اللفتة الرائعة من مدير المستشفى، الأطباء، وكذلك الممرضين، حتى مريم كان لها نصيب من تلك الهدايا.
لم يتوقف الأمر هنا، بل جمع مدير المستشفى والطاقم الطبي مبلغًا معتبرًا من المال، كافٍ لاستئجار بيت لمدة سنة كاملة.
اعتذرت الأم في البداية عن قبول المبلغ، لكن مدير المستشفى أصر عليها وقال لها: "هذه هدية من الله لك، مكافأة على صبرك الجميل، وما نحن إلا أحد أسباب الرحمن."
وقال لها أيضًا: "أنا مررت بظروف مشابهة، والحمد لله وفقني الله وأصبحت طبيبًا، ثم كبير الأطباء، إلى أن وفقني العزيز القدير لتولي مسؤولية تسيير هذا المستشفى."
سعدت الأم كثيرًا بما سمعته، خصوصًا عندما شجع مدير المستشفى علي على الدراسة حتى يصبح طبيبًا.
ووعد علي مدير المستشفى بأنه سيفعل ما بوسعه ليصبح طبيبًا في المستقبل، ليساعد المحتاجين، وجعل هذا الحلم أحد أهم أهدافه في المستقبل.
غادر الجميع غرفة صفي، ومعهم علي الذي توجه إلى المسجد ليشكر الله على كرمه، رحمته، ونعمته عليه.
"الله لا ينزع منك شيئًا ليختبر صبرك حتى يعوضك بأشياء أفضل منها، فقط ثق في الله وصبر، ولا تستسلم."
بعد الانتهاء من الصلاة، سيلتقي علي عمه حسين. فهل سيكتب القدر لعلي وحسين قصة جديدة معا ؟
بعد أن صلى علي ركعتي شكر لله، أطال فيها السجود كعادته، التفت يمينًا فإذا به يلمح عمه حسين وهو قادم نحوه، سلم عليه، ثم وضع يده على كتفه، وخرجا سويا من المسجد بعد أن صلى صلاة الظهر جماعة.
ركب علي مع حسين في السيارة، وكانت وجهتهم المصنع الذي يملكه العم حسين. وفي الطريق تبادلا أطراف الحديث بخصوص المنزل. قال حسين: "سأعطيكم شقة في بيتي، جاهزة ومفروشة، حتى تدبرون أموركم وتنتقلون إليها بسرعة، خصوصًا بعد اقتراب خروج صفي الدين من المشفى."
فرفض علي الفكرة جملة وتفصيلًا، وقال له: "يا عم حسين، لقد أعطانا الله من فضله ما يسر لنا إمكانية استئجار شقة خاصة بنا، والحمد لله."
قاطعه الرجل بغضب: "وكيف تفرشون تلك الشقة؟ هل لديكم أراكٍ، مدفئة؟ أنتم لا تمتلكون حتى موقدًا لطهي الطعام! انتقلوا إلى شقتي، وذلك المبلغ ادخره، ستحتاجه في وقت لاحق."
لم يزد علي كلمة على ما قاله العم حسين، لكن طمأنه عمه وقال له: "لا تقلق، ضع أمر إقناع أمك لي."
وأضاف حسين: "ستكونون عائلتي الثانية، أنا لم يرزقني الله بالذكور، ستكون أنت وإخوتك مثل أبنائي. زوجتي تنتظركم بشوق، لكنها لم تستطع القدوم إلى المشفى لأنها تعاني من مرض مزمن ولا تستطيع المشي لمسافات طويلة."
تأسف علي على حالة زوجة عمه حسين، ودعا الله أن يشفيها له.
وما هي إلا لحظات حتى وصل علي وعمه حسين إلى المصنع. اندهش علي من ضخامة المصنع وكبر مساحته. دخل علي من باب المصنع، فحياه كل العمال المتواجدين هناك، ثم صعد علي مع عمه حسين إلى مكتبه بعد أن عرفه على كل العمال وتجول معه في كامل أجزاء المصنع.
الآن علي أصبح أمام الأمر الواقع: كيف سيوفق بين دراسته وعمله الجديد، وهو المقبل على اجتياز شهادة التعليم المتوسط؟
أخبر علي بهذه النقطة عمه حسين، فقال له: "ستدرس مع ابنتي عائشة في نفس المدرسة الخاصة، أنت وإخوتك الاثنين صفي وقيس."
عارض علي في البداية، لكن الرجل قاطعه وقال: "المدرسة ملك لزوجتي، وهي من أصرت على ذلك، وترديدها صدقة جارية لوالدها، لا تحاول حتى التفكير في منعها من ذلك."
أما عملك، فسيبدأ بعد فراغك من الدوام في المدرسة. سأعلمك كيف تستخدم الحاسوب لتدخل البيانات الخاصة بالمصنع، لكن عملك لن يكون هنا في المصنع. ستعمل من البيت، وتزور المصنع فقط في نهاية الأسبوع لتستلم الأوراق لتدرجها في الحاسوب. لن يكون العمل سهلًا في البداية، لكن ستتعود عليه، وهذا هو أنسب عمل لك نظرًا لعمرك.
فرح علي كثيرًا بهذا العمل الجديد، وحمد الله وشكره على فضله.
خرج علي والعم حسين من المصنع، وتوجها إلى المستشفى. زار حسين صفي الدين، وقدم له هو الآخر هدية، ثم استأذن الأم للحديث معها في موضوع عمل علي والشقة. رفضت الأم أمر الشقة جملة وتفصيلًا، ورفضت حتى التفكير فيها. حاول الرجل إقناعها بكل السبل الممكنة، حتى طال الحديث بينهم إلى أن وصلوا إلى اتفاق يرضي الطرفين.
كان العم حسين يبحث عن خادمة تطهو الطعام وتعتني ببناته بسبب عجز زوجته المريضة. عرض عليها العمل كطاهية ومربية لبناته عائشة ورقية، وتستفيد من تلك الشقة المخصصة أصلاً للخدم، مع مرتب شهري يعينها وأولادها في مواجهة ظروف الحياة الصعبة. أخيرًا وافقت أم علي بصعوبة على عرض حسين، أعطاها المفتاح وضرب لها موعدًا مباشرة بعد خروج صفي من المستشفى، على أن تجد الشقة جاهزة وتنتقل لها مباشرة وتبدأ العمل.
عندما تكون ثقتك بالله كبيرة ولا ترى إلا نور رحمة الرحمن، سيأتيك نور الفرج حتى من ثقب صغير لينير حياتك من جديد. وهذا النور هو الأمل والإيمان، وهو الذي أوصل بطل قصتنا علي إلى هذه النقطة.
حياة علي وعائلته سلكت منعرجًا آخر غير متوقع. علي بعد أن عثر على عمل وبيت ومكان ليدرس فيه، لكن هل القصة تنتهي هنا، أم ما زالت التحديات والصعاب تنتظر علي وعائلته؟
.....
ثلوج كثيفة غزت مدينة قسنطينة وكسَتها حُلّة بيضاء.
كان صفي الدين يطلّ من نافذة المستشفى إلى جانب أخيه قيس وهو يتمتّع بتلك المناظر البهية، بينما أخوه تقي الدين وأمه يُحضّران إجراءات خروجه من المستشفى. كانت مريم الصغيرة تنظر إلى ذلك البياض الناصع الذي غطّى كامل المستشفى من الخارج، إضافةً إلى الطرقات والشوارع، وهي تبتسم وتلعب بيديها الدافئتين وتحرّكهما ببراءة.
جاء علي وأمه بعد انتهائهما من إجراءات الخروج الخاصة بصفي، حمل علي أخاه ووضعه على الكرسي المتحرك، فيما حملت الأم مريم وأمسكت بيد طفلها قيس وخرجوا من المستشفى وسط توديع من الأطباء والعمال.
في خارج المستشفى، كان حسين ينتظر علي وعائلته داخل السيارة، وما هي إلا لحظات حتى وصل علي وصفي وبقية أهله. سلّم عليهم العم، ثم ركبوا جميعًا في السيارة وتوجّهوا صوب منزلهم الجديد مع عمهم حسين.
الكرسي المتحرك الخاص بصفي الدين وفّرته له جمعية خيرية.
كل الظروف باتت مواتية لبداية قصة ومغامرة جديدة.
وصل الجميع إلى الشقة الجديدة، فتفاجؤوا بكِبر بيت العم حسين، وبدا أن تلك الشقة مجرد غرفة صغيرة في قصر كبير.
كانت الشقة منعزلة عن القصر، تبعد عنه بحوالي عشرين مترًا، وتتكوّن من غرفتي نوم وصالون ومرحاض ومطبخ وحمّام، وكل ما يحتاجونه للعيش فيها حياة كريمة. لون الشقة مائل إلى الرمادي الفاتح، وأبواب الغرف كلها بيضاء.
وبينما علي وأمه وإخوته يتعرّفون على شقتهم ومأواهم الجديد، والسعادة بادية على وجوههم، دقّ الجرس. فتح علي الباب، فإذا بها زوجة العم حسين مع ابنته عائشة، جاءتا ليتعرّفا على العائلة الجديدة التي ستسكن بجوارهم، وكذلك الطفل المعجزة صفي.
اقتربت زوجة حسين، السيدة خديجة، من أم علي، سلّمت عليها وعلى بقية الأطفال، ولعبت قليلًا مع مريومة وقبّلت يديها الصغيرتين، ثم ارتمت بين أحضان أم علي وشكرتها على مسامحة زوجها وكيف رفضت أن تقدّم بلاغًا ضده، فلو حدث ذلك لكان العم حسين خلف قضبان السجن .
قالت لها أم علي:
لا داعي للشكر، بل علينا جميعًا أن نشكر الله سبحانه وتعالى، فهو من قدّر كل هذا لنلتقي ونتعرّف على كرمكم.
قالت أم علي للسيدة خديجة:
أتمنى أن تجمعنا الأخوة والتفاهم.
سُرّت زوجة العم حسين بذلك وقالت لها:
أنتِ أختي… أخيرًا عثرتُ على أخت. لقد قصّ حسين لي كل القصة.
ثم قبّلت صفي الدين على رأسه وقالت له:
وأنت ستكون ابني أيضًا، وكذلك إخوتك.
غادرت السيدة خديجة الشقة مع ابنتها على أنغام بكاء مريم الجائعة، وتركت أم علي ترتّب أمورها في بيتها الجديد وتُحضّر الحليب لتهدّئ رضيعتها مريم.
وقاربت الشمس على المغيب، فقررت الأم أن تطهو وجبة عشاء ساخنة لأبنائها الذين بدأت عصافير بطونهم تعزف أحلى الألحان. فتحت الثلاجة فإذا بها تتفاجأ بخير كبير، إذ لم ترَ امتلاء الثلاجة بذلك القدر في حياتها.
مسكت أطراف اللحم الطازج ووضعته في الوعاء، ثم حضرت لهم أشهى شخشوخة لم يتذوقوا مثلها في حياتهم.
بعد أن شعر الجميع بامتلاء بطونهم، شكروا الله وصلّوا فرائضهم، ثم ساد الهدوء المكان واستسلم الجميع لنوم عميق داخل أسوار بيت يحميهم من البرد.
" أمل الحياة مرتبط بعطاء الله الذي لا بداية له ولا نهاية إستمر في حياتك و ضع في قلبك أمل الإيمان ربما الفرج فريب "
الآن، علي عثر على بيت وعمل، وسيكمل دراسته رفقة أشقائه في مدرسة خاصة…
يبدو أنها البداية لحياة جديدة لكن كيف سيواجه علي بقية التحديات التي تنتظره ؟
بعد مرور شهرين كاملين على الحادث الصعب الذي تعرض له صفي الدين، واصل علي دراسته إلى جانب بنات العم حسين وإخوته. أما أمه، فقد عملت طاهية في بيت العم حسين، لكنها لم تكن مجرد خادمة، بل عوملت من قبل السيدة خديجة معاملة خاصة، وجعلتها شخصًا قريبًا منها كصديقة عزيزة وأخت لم تلدها أمها. لدرجة أن أم علي أصبحت لا تفارق أم رقية وعائشة إلا عند النوم.
صفي الدين بدأ بالوقوف على قدميه، لكن بصعوبة، وعلامات التحسن بدأت تظهر في الأفق.
أما الصغيرة مريم، فقد كانت هي الكل في الكل في ذلك البيت الكبير، حتى إن علي أصبح يشتاق لحملها بين ذراعيه.
في أحد الأيام، صعد علي إلى غرفة العم حسين، فسمع مناوشة بينه وبين شخص غريب لم يسبق لعلي أن رآه طوال الفترة التي قضاها في هذا البيت. سمع ذلك الشخص يقول للعم حسين:
– تلك الشقة نحن أَوْلى بها من الغرباء، نحن أبناء أخيك، كيف تتخلى عنا وتدخل الغرباء إلى بيتك؟ نحن من دمك وأبناء شقيقك.
على وقع هذه الكلمات، لم يلبث علي أن سمع صرير الباب يُفتح بقوة حتى ارتطم بالجدار. وقعت عينا ذلك الشخص، الذي كان في نهاية الثلاثين من عمره، على علي، فتقدم نحوه ثم دفعه بقوة وأطرحه أرضًا وهو يصرخ:
– ابتعد من طريقي يا أذناب عمي!
تلك الكلمة لم يهضمها علي بسهولة، فقد أعادته إلى صورة ابن عمه وهو يدفعه إلى الخلف والمطر يتساقط على رأسه. دمعت عيناه، وأحس مرة أخرى بطعم اليُتْم المر. لم يتحمل، وركض مسرعًا باتجاه شقته التي يحتمي داخلها من أجواء الشارع القاسية.
دخل علي على أمه وقصَّ عليها ما سمعه، ثم بدأ يطرح سؤالًا تلو الآخر:
– لماذا لا يتركونا نعيش حياة سعيدة؟ لماذا نتعرض لكل هذا الظلم يا أمي؟ ألهذه الدرجة قست القلوب واندثر الضمير؟ يا أمي، كلمة "يتيم" تزعزع قلبي. لم أستطع تحمل نظرة الناس إلي على أنني يتيم، والله نظرة قاسية يا أمي، تشعرني بالعجز وكأنها تربط يديّ وقدميّ وتمنعني من التقدم للأمام. وكلما تقدمت خطوة للأمام، أعادتني تلك الكلمة خطوتين للخلف.
كل ما قاله علي كان انعكاسًا لما يعانيه يوميًا من تنمر واستهزاء وإهانة المجتمع له.
المجتمع يحتقر الأيتام، وينظر إليهم دائمًا نظرة نقص، رغم أن رسول الله ﷺ قال:
«أنا وكافل اليتيم كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى.
ورغم تحسن ظروف علي المادية، وامتلاكه سكنًا يحمي فيه إخوته من قسوة الشوارع، إلا أنه كان وحيدًا في مواجهة تلك النظرة الساقطة التي يراه بها الناس.
مسكت أمه برأسه حتى شعر بدفء دموعها على رقبته، وقالت:
– ما دَرَاك بالناس؟ عندما طردنا عمك، هل وجدنا العباد أم رب العباد؟ عندما مرض أخاك ويئس الجميع من شفائه، أنسيت كيف انتشله الله من ظلام القبر إلى نور الحياة؟
ابتسم علي وارتاح كثيرًا لكلمات أمه، ثم قالت له:
– يا علي، ما دام الله معنا…
سكتت الأم وطلبت من علي إكمال الجملة، فقال:
– لن ينال منا شيء.
وقف علي بشموخ، ومسح دموعه ببساطة، لأن عبارة "ما دام الله معنا" كانت طوق النجاة ووقود هذه العائلة لمواصلة الحياة بحلوها ومرها.
الأم أضافت:
– ذلك الشخص الذي رأيته هو ابن الأخ الأكبر لحسين، وقد عمل عنده في المصنع، لكنه سيء الخلق، لدرجة أنه ينتظر بفارغ الصبر وفاة عمه ليرثه، بحكم أن عمك حسين ليس لديه ذكور.
تفاجأ علي مما سمعه، ثم سألها:
– ومن قال لك هذا؟
فأجابت:
– أخبرتني به السيدة عائشة، واشتكت لي همومها، وكيف تواجه هي الأخرى صعوبات في هذه الحياة، إذ تتعرض لمكائد من أهل زوجها، حتى إنهم كانوا السبب في وفاة أكثر من جنين في بطنها، فقط لتبقى بلا ولد يرث أباه حسين.
حزن علي كثيرًا لما سمعه عن معاناة العم حسين وزوجته، واقتنع في النهاية بأن:
كل الناس يواجهون مشاكل في هذه الحياة. امتلاكك مصنعًا وبيتًا كبيرًا لا يعني السعادة الكاملة أو النجاة من شرور الخلق، فكل شخص قدّر الله له أن يواجه مثبِّطات الحياة من زاويته الخاصة.
كل دمعة يتيم تخفي خلفها انصهارًا لمشاعر المعاناة، وقسوة المجتمع، وصعوبة الحياة.كل دمعة تسيل من عين يتيم تخفي داخلها جرحًا عميقًا… يرى الناس الدموع، لكن لا يمكنهم رؤية المتسبب في نزولها.
قصة علي ليست مجرد رواية عابرة، بل حكاية شخص تمسك بالله فلم يضيعه الله عز وجل. عنوان الرواية لم نختره عبثًا، بل تركناه مفتوحًا:
"ما دام الله معنا"… سينجيك من ظلمات الشوارع، ومن الغرق في وحل المصائب، وسيختار لك طريقًا لم تحلم به يومًا. ما دام الله معنا، لا يهم من يقول العبارة، فالمهم أن مضمونها يكفي: ما دام الله معنا، فلن يهمني شيء بعدها.
علي تقي الدين وأمه، وإخوته صفي وقيس، وأخته مريم، كُتب لهم أن يخوضوا مغامرة لن تقل صعوبة عن المغامرات السابقة، لكن المدهش أن التشويق والإثارة لم ولن تتوقف في الفصول القادمة بإذن الله تعالى.
العم حسين هو الآخر كان يخفي معاناته مع أبناء أخيه الذين أعمى الطمع عيونهم، وأصبحوا يرون في عمّهم مجرد مادة لجني الأموال لا غير، لا يهمهم صحته ولا حزنه ولا فرحه، كل ما يهمهم هو أن يمد يده إلى جيبه ويعطيهم المال.
أحس العم حسين بالراحة مع علي، فقد التمس فيه صدق النية، ورأى فيه الأمل، لأن علي لا يقبل أن يُعطى له شيء مجاناً، وهذا الأمر لم يره حسين في أي شخص آخر.
وثق العم حسين في علي ثقة عمياء، لأنه اختبره هو وأمه مرات عديدة، لكنهما لم يمدّا أيديهما إلى ما ليس لهما، وهو ما عزز المحبة والثقة بينهما، حتى أصبح حسين يعامل علي كابن يحبه ويخاف عليه.
عاد علي من المدرسة مساءً متوجهاً إلى بيته، وأثناء عبوره من أمام أحد المحلات، اشتم رائحة مألوفة تنبعث من أحد المطاعم، وهي رائحة الحمص القسنطيني، أكلة قسنطينة الشهية، المخلوطة ببعض التوابل الحارة. هذه الرائحة بعثت في نفس علي حنيناً إلى الماضي، وأمطرت عقله بذكريات جميلة وأخرى مؤلمة.
تذكر علي عندما كان يذهب إلى أحد المطاعم التي تبيع نفس الأكلة وسط الرحبة في بلدية قسنطينة مع أبيه، الذي كان يعشق تلك الأكلة الشهية.
تذكر أزقتها الضيقة، وكيف كان يراها واسعة في عينيه الصغيرتين.
كان والد علي يحبه كثيراً، وعلي كان شديد التعلق بوالده محمد رحمه الله.
لم يكن علي يعلم بما حدث لوالده ، الذي تعرض لإحتيال من قبل عمه ونعود إلى بداية الأزمة لنقص لكم الواقعة بحبر من دموع محمد والد علي .
ففي إحدى الليالي الممطرة، كانت السماء شديدة السواد تمطر بغزارة، وكأنها تذرف دمعاً كالسيلان من شدة تأثرها بقساوة قلوب بعض البشر، الذين لم يبقَ فيهم من الإنسانية شيء. كان علي حينها يبلغ من العمر ست سنوات، وأخته مريم لم تولد بعد.
كان العم محمد رحمه الله لا يملك إلا ولدين: علي وقيس. وفّر لهما معيشة مريحة، لم ينقصهما شيء، وكل طلباتهما محققة. لم يبكيا على شيء إلا واستفاقا صباحاً ليجداه أمامهما. لم يحرمهم والدهم من شيء، بل عاملهم معاملة خاصة جداً لم يعامل بها أي صغير في حيّهم، لدرجة أن علي كان يُعرف باسم "الأمير الصغير" نظراً لامتلاكه كل ما يحلم به طفل في عمره.
وبينما كان علي وأمه ووالده يتناولون وجبة العشاء، دقّ الجرس.
فتح علي الباب، فإذا به عمه مسعود.
استأذن مسعود علي وقال له: "نادِ لي أباك".
نادَى علي والده وقال له:
ـ يا أبي، عمي مسعود في انتظارك أمام باب البيت.
رفع محمد صوته قليلاً وقال:
ـ يا بُني، لماذا تركت عمك ينتظر أمام الباب؟ أدخله فوراً.
طلب علي من عمه الدخول ثم توجه به مباشرة إلى المطبخ.
قال محمد:
ـ أهلاً بك يا أخي، لقد سعدنا كثيراً بهذه الزيارة، تعال اجلس معنا وتناول الطعام.
اعتذر العم في البداية عن مشاركتهم الأكل بحجة أنه تناول وجبته، لكن أبا علي أصر عليه وأغراه بأكل أم علي الشهي الذي لا يُقاوَم، وهي المعروفة بطعامها الذي يخترق القلب قبل اللسان.
شاركهم العم مسعود وجبتهم، وعند الانتهاء استفسر محمد أخاه عن سبب هذه الزيارة المفاجئة في هذا الوقت المتأخر من الليل والجو البارد الماطر.
استوقف العم مسعود أخاه وقال:
ـ أتيتُك يا أخي بخبر سيسعدك، ولم أتحمل الانتظار لصباح الغد، فجئتُ في ظلمة الليل لأزفه إليك.
اندهش والد علي وسأل عن فحوى هذا الخبر الذي لم يستطع مسعود الانتظار لأجله حتى الصباح.
فقال مسعود لمحمد:
ـ يا أخي، هناك فندق معروض للبيع في زواغي عبد الله عبر مناقصة علنية، وأردت أن أعرض عليك فكرة شرائه.
تردد والد علي محمد وقال له:
ـ لا، لا يمكنني شراؤه حالياً، فكل المال الذي ادخرته هو لتسديد أجرة المحلات وكذلك للسلعة، ولا يمكنني المغامرة بمستقبل علي وقيس.
قاطعه أخوه مسعود قائلاً:
ـ يا أخي، فكر في أبنائك علي وقيس، كيف سيكون مستقبلهم عند امتلاكك لهذا الفندق؟ ستترك لهم ما يضمن لهم مستقبلاً زاهراً بعد وفاتك لا قدّر الله. الفندق جميل ومبني في مكان رائع. يا أخي، فكّر في الربح الذي سيدرّه عليك إذا ملكته.
فكر محمد قليلاً ثم قال لشقيقه:
ـ وما هو ثمن بداية المناقصة؟
فأجابه مسعود:
ـ المناقصة ستبدأ بمليار ونصف، لكني خططت للأمر جيداً، اتفقت مع أصدقائي على دخول المناقصة وتنسيق السعر للوقوف عند حدود ملياري سنتيم. يا أخي، ثق بي، ستتغير حياتك تماماً.
أُعجب محمد في النهاية بالفكرة وقال له:
ـ لدي نصف المبلغ الذي ادخرته للسلعة، وسأوفر النصف الآخر بالاقتراض من أصدقائي.
استوقفه مسعود وقال له:
ـ وهل سيقرضونك كل هذا المال؟
فأجاب محمد:
ـ نعم، لكن عليّ رهن المحلات وكذلك البيت ليؤمّنوا لي المبلغ. للأسف هذا هو المتعامل به في عملنا.
غادر العم مسعود على وقع خبر قبول أخيه بفكرته والسعادة تملأ وجهه، وضرب له موعداً في اليوم الموالي للاتفاق على باقي التفاصيل.
سأل محمد زوجته أم علي عن هذه الفكرة، فقالت له:
ـ أنا لم أرتح أبداً لفكرة أخيك من بدايتها لنهايتها، خصوصاً أمر رهنك لأملاكك. لا تُغامر بمستقبل أولادك.
ابتسم محمد وقال لزوجته:
ـ التاجر الناجح هو الذي يُغامر ولا يخاف، ولولا مغامرتي في البداية لما توصلت لامتلاك هذا البيت الكبير وتلك المحلات. لا تقلقي يا أم علي، بإذن الله سننجح وسنوفر رفاهية لعلي وقيس في مستقبلهم.
عند فراغهم من الحديث ذهبوا جميعاً إلى النوم.
وفي صباح اليوم التالي استيقظ محمد باكراً على غير عادته، وهو الذي لم ينم طيلة الليل بسبب الحماس والتفكير في فكرة شقيقه مسعود.
ذهب محمد إلى أصدقائه وعرض عليهم الفكرة، فأُعجبوا بها وشجعوه عليها، ووافقوا أيضاً على إقراضه كل المال المتبقي بعد أن رهن البيت والمحلات.
بعد أن جهز محمد كامل المبلغ اتصل مباشرة بأخيه مسعود وأخبره بأن المبلغ جاهز وطلب منه استلامه.
سعد مسعود كثيراً بعد أن وفر أخوه كامل المبلغ.
أخيراً جاء يوم الموعد، استلم مسعود المال وذهب للمشاركة في المناقصة على أمل الفوز بها.
وبينما كان أخوه محمد في محله، رن الهاتف في جيبه، فإذا بالمتصل هو العم مسعود. ارتعشت يداه وهو يرد على الاتصال، فسمع صوت أخيه مسعود يقول:
ـ أخي، أخي، مبروك! لقد فزنا، لقد امتلكنا الفندق.
طار محمد من الفرحة وشكر أخاه كثيراً، فرد عليه مسعود قائلاً إنه سينهي كل الإجراءات الإدارية والقانونية ويأتي إليه ليسلّمه الفندق.
ما إن أغلق الهاتف حتى أعاد الاتصال بأم علي وزفّ إليها الخبر.
فرحت كثيراً أم علي، لكن فرحتها قاطعها وخز في قلبها، فقلبها انقلب من الفرح إلى القلق وعدم الارتياح…
وبعد دقائق فقط من الاتصال، وجدت أم علي زوجها محمد واقفاً أمامها يحمل هدايا وحلويات لصغاره، وقال لها:
ـ سنحتفل اليوم!
تفاجأت الأم من وجود زوجها بتلك السرعة، وسألته والدهشة تملأ وجهها:
ـ لماذا لم تذهب مع أخيك إلى المناقصة؟
فرد عليها وهو يبتسم:
ـ لقد سلمت كل شيء لمسعود، فهو صاحب الفكرة وهو من خطط. ومجرد فراغه من الإجراءات سيأتي ليسلمني الفندق.
استغربت الأم من تصرف زوجها محمد، وازداد قلقها وتوترها.
مرت ست ساعات على خبر فوز محمد بصفقة الفندق، لكن مسعود لم يظهر له أثر.
قالت أم علي لزوجها:
ـ ألم يتأخر أخوك؟ اتصل به.
فقال لها:
ـ الإجراءات الإدارية تأخذ الكثير من الوقت، لا تقلقي. بمجرد انتهائه سيعاود الاتصال بي.
لكن ملامح القلق ازدادت على وجه أم علي، بينما انشغل محمد باللعب مع قيس وعلي بألعابهما الجديدة.
مرت الساعات، والساعة تشير إلى العاشرة ليلاً ولا خبر عن العم مسعود. هنا بدأ القلق يراود محمد، فحمل هاتفه واتصل به، رن الهاتف دون رد. أعاد المحاولة، لكن هذه المرة وجد الهاتف مغلقاً. ظل على تلك الحال يتصل حتى حدود الواحدة ليلاً، من غير أي جديد أو خبر عن أخيه.
بدأت التساؤلات تراوده، والقلق على أخيه يملأ قلبه. فكر في كل الاحتمالات، إلا احتمال أن يحتال عليه شقيقه.
كان يحدث نفسه قائلاً:
ـ هل تعرض لسرقة؟
ـ هل احتال أحد على مسعود؟
ـ ماذا حدث لك يا أخي؟ أرجو أن تكون بخير.
قاطعت أم علي تساؤلاته وقالت له:
ـ هل ذهبت إلى الفندق؟ هل رأيته؟
فأجابها:
ـ لا، لم أذهب إلى الفندق ولم أره. الشيء الوحيد الذي أعرفه أن الفندق موجود في زواغي عبد الله فقط.
تفاجأت الأم مما سمعته من زوجها وقالت له:
ـ غداً صباحاً، إذا لم يأتِ أخوك ويتصل بك، اذهب واسأل عن هذه المناقصة. أنا مستغربة من تصرفك! على الأقل لو ذهبت مع أخيك ولم تسلمه المبلغ حتى يصبح الفندق باسمك.
صمت محمد للحظات ثم قال لزوجته:
ـ والله معك حق... ما الذي يكون قد حدث لأخي؟
لم يستطع محمد النوم تلك الليلة، وكذلك زوجته التي بقيت معه تواسيه وتتقاسم معه شعور القلق.
أشرقت شمس الصباح، واحتضنت أشعتها محمد بلطف وكأنها تشفق عليه مما سيحدث له بدايةً من هذا اليوم.
فارق محمد فراشه وخرج من المنزل متوجهاً مباشرة إلى بيت شقيقه، فلم يجده لا هو ولا عائلته. ثم غادر إلى زواغي عبد الله ليسأل عن تلك المناقصة. ذهب إلى كل الفنادق وكل الإدارات المعنية، لكن الجميع قالوا له:
ـ لا يوجد أي فندق معروض للبيع هنا في زواغي.
اندهش محمد مما سمعه، وبدأت جرعات الخيانة ترتاد قلبه، وملأته بشعور مؤلم لا يوصف. لقد احتال عليه شقيقه، ذلك الذي كان محمد سنداً له في أعتى فترات حياته، بل وكان بمثابة الأب لمسعود بعد وفاة والدهم وهم صغار، حيث أن محمد يكبر مسعود بسبع سنوات كاملة.
محمد لم يصدق لحد الساعة، وبدأ يكذب على نفسه في البداية، لكنه سرعان ما استسلم لمرارة الواقع... واقع الاحتيال شديد القسوة الذي لا يُحتمل مذاقه.
عاد إلى البيت وأخبر أم علي بأنه لم يجد أي فندق للبيع أو معروض في مناقصة.
تأكدت الأم من إحساسها وقالت لمحمد:
ـ اذهب حالاً إلى الشرطة واشتكِ به.
رفض محمد في البداية، فقالت له:
ـ يا محمد، مستقبل أولادك على المحك، اذهب واشتكِ.
ذهب محمد إلى الشرطة واشتكى على أخيه الغائب، لكن لم يكن لديه أي دليل ولا شهود على الحادثة سوى زوجته.
استدعتها الشرطة، فوجدوا كلامها مطابقاً تماماً لكلام زوجها. عندها قاموا باستدعاء وتوقيف العم مسعود، الذي وجدوه في بيت بمدينة ساحلية قريبة من قسنطينة بعد خمسة عشر يوماً من الحادثة.
اتصلت الشرطة بمحمد وطلبوا منه الحضور فوراً إلى مكتب الادعاء.
وما هي إلا دقائق حتى وصل محمد، دخل على الضابط بوجه شاحب ويدين ترتجفان، وقال:
ـ هذا من احتال علي! لقد أخذ كل أموالي يا سيدي!
وكانت دموعه لا تفارق عينيه.
وقف أخوه مسعود وقال للضابط:
ـ يا حضرة الضابط، هذا افتراء كاذب. أنا كنت أقضي عطلتي مع عائلتي في ذلك المنزل الذي وجدتموني فيه منذ عشرين يوماً، وهذه ورقة الاستئجار تثبت كلامي.
نظر إليه محمد بنظرة حادة مليئة بالأوجاع والدموع تتهاطل من عينيه وهو يقول له:
ـ لماذا تكذب؟ لماذا تنكر ما قمت به؟ أنا وثقت فيك أكثر من نفسي، وهذه هي نتيجة ثقتي بك وإحساني إليك... حسبي الله ونعم الوكيل! حسبي الله ونعم الوكيل!
قاطعه مسعود وقال للضابط:
ـ هل لديه دليل على ما قاله؟
فأجاب الضابط:
ـ لا.
فقال مسعود:
ـ إذاً أنا بريء، وهذا افتراء. وسأقوم برفع شكوى ضده على اتهامه الباطل لي.
لم يجد الضابط ما يقوله، رغم أنه في قرارة نفسه يعلم صدق محمد، لكن القانون هو القانون: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته". وهذا ما كان ينقص محمد ليستعيد أمواله…
لم يستطع الضابط مساعدة العم محمد إلا بإقناع مسعود بالتراجع عن إبلاغه ضد أخيه، وهو ما وافق عليه مسعود لكن بشرط أن يكتب محمد تعهّدًا بعدم مضايقته له ولعائلته في المستقبل.
تصرف ذكي للغاية من مسعود ليتجنب مجيء أخيه عنده ومطالبته بحقه مستقبلًا.
كتب محمد التعهّد مُدثّرًا بالحزن، ووقّع على الورقة ويداه ترتجفان حتى أسقط القلم من يده ثلاث مرات، وأعاد كتابة الورقة أربع مرات بسبب تبليلها بدموعه التي لم تتوقف، لأن ألم الخيانة صعب، وصعب جدًا، خصوصًا عندما يأتي من أقرب الناس إليك.
عاد محمد إلى منزله والألم يملأ قلبه، والدموع تتسابق على خده، وقال لزوجته:
"لقد خسرنا كل ما نملك... لقد حطمتُ مستقبل أطفالي بيدي."
نظر محمد إلى علي وقيس فوجدهما يلعبان وهما لا يعلمان ماذا حدث لهما، وهو ما زاد الحسرة على قلب محمد.
> "وَيَحْكُمُونَ بِالْبَاطِلِ وَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيُسْتَحْسَنُونَ عِنْدَ النَّاسِ وَيَسْتَحْسِنُونَ عِنْدَ اللَّهِ مَا هُمْ فِيهِ لا يُؤْمِنُونَ"
هذه الآية تحذر من أكل أموال الناس بالباطل والخديعة، وتوضّح أن الظاهر عند الناس ليس بالضرورة مقبول عند الله.
وفي غمرة ذلك الحدث الجلل الذي هز كيان محمد وغير مسار عائلة بأكملها، سأل محمد نفسه وكأن ضميره يجيب عن تساؤله بقلب مثقل بالحسرة والندم على الخطوة المتهورة التي ظن أنه خطاها لأمام، فأعادته بسنوات إلى الخلف. حرك يديه، مسك شعره المائل لسواد كسواد ذلك اليوم المشؤوم الذي لن ينساه في حياته، وهو يقول: "ماذا فعلت! ليتني لم أتهور، ولكن هل ينفع الندم؟"
بعدها بدقائق جاءت زوجته، وعلامات الألم بادية على وجهها وخطواتها، ورغم خفتها، إلا أنها كانت تصدر صوتًا طنينًا في أذن محمد، وكأن كل شيء في هذا البيت أصبح يلومه على فعلته.
نظر محمد إلى الساعة فوجدها تشير إلى الثالثة زوالًا. وقف من على الأريكة، أمسك جهاز تحكم التلفاز في يده ثم أطفأ التلفاز، وقال لزوجته التي كانت جالسة جنبه: "سأذهب للمحل لأجد مخرجًا لهذه المشكلة."
دعته أم علي بتوفيق، ثم روحت عليه قليلًا وقالت له وعيناها تبرقان أملًا لتجاوز المحنة: "لا تقلق يا محمد، إن الله معنا، سيعيننا الله في محنتنا."
سار محمد بما سمعه من زوجته، التي كانت وما زالت سنده الثاني بعد الله، وكانت المحرك الأساسي في الكواليس لسيناريو نجاحه. وقفت معه في الضراء قبل السراء، دفعته للأمام فقط بكلماتها التي تنعش القلب كنسمة باردة في يوم حار.
خرج محمد من بيته على ضوء كلام زوجته الذي يترك أثرًا في النفس، وتوجه نحو محله وهو يفكر في مخرج للمصيبة التي وضع نفسه فيها. توقف في نصف الطريق، لمح صديقه يجلس أمام محله ويضع قدمًا فوق قدم. توجه علي نحوه، وما إن رآه حتى توقف من شدة الدهشة على الحالة الجديدة التي ميزت صديقه محمد، وهو الذي عهده دائمًا بهندام أنيق وتسريحة شعر جذابة.
قال له: "لقد سمعنا ما صنع بك أخوك، هداه الله، وتألمنا كثيرًا لحالك."
شكر محمد على ذلك وقال له: "لقد فعل فعلته، لم أتوقع في حياتي أن تأتيني الطعنة من أخي، أخي الذي ربيته بيدي."
وضع صديق العم محمد يده على كتفه وقال له: "ستتجاوز محنتك بإذن المعين، لكن كيف ستسدد كل ذلك المال المدان به؟ خصوصًا بعد أن رهنت كل ما تملك، سيكون عامل الوقت ضدك يا صديقي."
نظر محمد إلى صديقه بنظرة فيها أنين الأوجاع والرعب الذي يدسه في داخله، وكأن صديقه وضع الملح على الجرح فأعاد إحيائه من جديد.
مسك أبو علي بيد صديقه وقال له: "يا صديقي، هل يمكنك أن تساعدني في هذه المحنة وتقرضني بعضًا من المال، ولمجرد أن أقف من جديد على قدمي سأعيده لك."
نزع صديقه يده من يده بالقوة وتغير لون وجهه ومال إلى السواد وقال له: "لا يمكنني مساعدتك، أنا أيضًا لدي تطلعات وأهداف وبيت وأولاد، لا يمكنني أن أهدر مالي فيك. تحمل نتاج طمعك، لقد عاقبك القدر يا محمد."
تفاجأ محمد من نبرة صوته العالية، مما سمعه من صديقه، وقال له: "هل أنت تواسيني بكلامك أم تزيد الحمولة والثقل أكثر على قلبي؟"
ثم مسكه بقوة من لباسه وقال له: "تذكر عندما احترق محلك، من ساعدك في ذلك الوقت؟ من وقف إلى جانبك وأعانك على إعادة إعماره؟ ألم تقل لي أنك لن تنسى خيري أبدًا، كيف نسيته بين ليلة وضحاها؟"
ثم أرفق كلامه بتأكيد: "تأكد أن لكل شخص منا ممتحن. لكل منا فترة صعود وفترة نزول، تليها الفرق بيننا. عند سقوطك، أنا مدت لك يدي وكنت سندًا يعينك على النهوض من جديد، أما أنت فأعنتني على السقوط. حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
ترك محمد صديقه وهو يخفي وجهه الذي تغير إلى اللون الأحمر مما سمعه من محمد، لدرجة أنه لم يتفوه بحرف واحد، وكأن لسانه تجمد وربطته تلك الكلمات ومنعته من الحديث.
واصل محمد سيره وأعين الناس تتساقط عليه كالأمطار، فيها من ينظر إليه بنظرة شماتة، وهناك من ينظر إليه بنظرة شفقة. رغم اختلاف النظرتين، لكن لهما نفس الأثر والألم على القلب.
واصل محمد طريقه، بدأ يسرع خطواته ليتجنب وقع تلك النظرات القاسية على قلبه.
وما هي إلا دقائق معدودة حتى بدأت دموع السماء تتساقط على رأس محمد، وكأن السحب بكت لحاله وتعاطفت معه. الجو بدأ يشتد، والريح تصدر أصواتًا كالخوار، والبرق يحاول أن يضيء طريق محمد المظلم، أما الرعد فكان كأنه انفجار لكل الأوجاع والهموم التي يحملها في قلبه.
أسرع محمد إلى محله ليتجنب الأمطار الغزيرة التي منعت الناس من مواصلة نظراتهم الساقطة نحو محمد.
ما إن وصل حتى أخرج المفتاح من جيبه، فتح باب المحل ثم دخل، وأعاد غلق الباب ليتسنى له البقاء مع نفسه لمعاتبتها.
هكذا كانت قصة أب علي مع شقيقه قاسي القلب ومغمض الضمير، بسببه تغيّرت حياة عائلة بأكملها.
بعد مرور حوالي عام من الحادثة، صودرت كل أملاك والد علي بما في ذلك البيت، وطرحوها جميعًا في المزاد العلني، فاشترى عمهم مسعود البيت.
لم يتحمّل محمد ما حصل له، فتعرّض لوعكة صحية جعلته لا يستطيع الحراك إلا على كرسي متحرك، وبقي على تلك الحال إلى أن توفّاه الله، وترك علي يواجه صعوبات الحياة وهو لم يبلغ بعد الثانية عشرة من عمره.
رحل محمد بقلب مكسور بخيانة أخيه له، وترك خلفه علي في نهاية الحادية عشرة من عمره، وقيس في السادسة، وصفي الذي رُزق به حديثًا في الرابعة من عمره، أمّا مريم فكانت جنينًا في بطن أمها، محرومة من أحضان والدها الدافئة.
مرّ علي بفترة صعبة للغاية قبل وفاة والده وبعدها، لأن أمه كانت تصنع له "المطلوع والمحاجب"، وكان يبيعها على حافة الطرقات. ولم يكن هذا فقط، بل عمل أيضًا في مطعم يغسل الصحون ويرمي القمامة، فجمع بين عمله ودراسته ورعايته لإخوته بذكاء.
كان علي من المتفوقين ومن الأوائل في قسمه، وهي الشعلة التي أضاءت قلب أمه ووالده الذي أطفأته الأحزان لسنوات.
علي لم يكن يعلم بكل ما حصل لوالده مع عمه، فقد أخفت والدته الأمر عنه كي لا يكبر بالحقد وحب الانتقام. وبعد أن اشترى عمهم المنزل من المزاد، تركهم فيه إلى حين ذلك اليوم الذي تراجع فيه وطردهم منه.
عاد علي إلى المنزل الذي يقطن فيه رفقة أهله عند العم حسين، بعد أن قضى وقته وهو عائد يتذكر تلك الذكريات الجميلة التي جمعته بوالده، الذي لم ينسه يومًا، وكان حيًّا في قلبه وذاكرته.
بينما جلس علي يتناول وجبة الغداء مع والدته وأخيه صفي الدين، سمعوا دقَّ الجرس. قام علي وفتح الباب، فإذا بها رقية، قالت له بأن والدها العم حسين يريده.
رقية هي البنت الصغرى للعم حسين بعد عائشة، تبلغ من العمر خمس سنوات، أما أختها عائشة فلم تتجاوز بعد سن العاشرة.
دعاها علي للدخول وتناول الطعام إلى جانبه، وهي التي تعرف جيدًا أكل أمه الذي لا يُرفض، فقبلت العرض مباشرة دون تردّد.
أكمل علي غداءه وتوجّه مسرعًا إلى بيت العم حسين. دخل إلى البيت، سلّم على السيدة خديجة وعائشة، ثم أكمل طريقه صعودًا إلى غرفة العم حسين. طرق الباب ثم استأذن بالدخول، فأجابه العم حسين: "ادخل، ادخل، تعال واجلس معي يا ولدي."
جلس علي إلى جانب العم حسين، فأمسك العم بيده ثم قال له:
"يا علي، أنت وإخوتك في مثابة أبنائي، لقد تعلّقت كثيرًا بعائلتك وأصبحتم بمثابة عائلتي الثانية."
فرح علي كثيرًا بما سمعه من العم حسين وقال له:
"نحن أيضًا نعتبرك في مقام الوالد."
حيّاه العم حسين على كلامه، ثم قال له:
"سأؤمنك على سر، لا تخبر به أحدًا."
تفاجأ علي في البداية ثم أجابه:
"سرك في بئر عميق يا عمي."
تفاجأ علي من ذلك السر الذي أخبره به عمه، لدرجة أن كلامه اخترق أذنه فاستشعر طريقه إلى أن انتهى واستقر في قلبه مباشرة.
وقف علي من الدهشة، ثم أتبع العم حسين كلامه:
"يا علي، إن كتب لي الموت، سأترك عائلتي في رقبتك، وأرجو منك أن تعتني بهم مثل اعتنائك بأهلك، لا تفرّق بينهم في شيء. واحذر من ابن أخي شفيق الذي لا يتوقف عن المكائد، وطمعه لم يعد خافيًا على أحد."
وعد علي العم حسين قائلا:
"منذ أول خطوة خطوتها في هذا البيت، وأنا أعتبركم بمثابة عائلتي الثانية. لماذا تتحدث يا عم عن الموت؟ بإذن الله سيطيل الله في عمرك."
فقال له عمه:
"العمر قضاء وقدر، وفي أي لحظة يمكننا أن نغادر هذا العالم، فالموت مكتوب يا بني على الصحيح والمريض."
ذلك السر الذي أخبر به العم حسين علي سيكون منعرج هذه الرواية. وأنت في رأيك، ماذا قال العم حسين لعلي؟
الفصل الثالث :
خرج علي من غرفة عمه حسين، وهو مثقل بذلك السر الخطير.
توجه صوب شقتهم على أمل أن يتخلص من التفكير فيه.
استقبلته أمه، وبدأت تسأله عن سبب استدعائه له حسين.
فأجابها:
ـ إنه أمر خاص بالعمل.
ترك علي أمه في حيرتها، وخرج من البيت متوجها إلى أحد المحلات القريبة من شقتهم.
دخل إلى المحل، فاقتنى بعض الأغراض له ولإخوته، واشترى حلوى لأخته مريم.
وما إن خرج من المحل حتى اصطدم في شخص، فسقط كل ما اقتناه من يده في الأرض.
وما إن رفع رأسه ليتعرف على ذلك الشخص ويعتذر منه، حتى وجده ابن أخ العم حسين.
اندهش علي عند رؤيته في ذلك المكان، فقال له:
ـ هذا أنت؟
فرد عليه ابن أخ العم حسين:
ـ نعم، هذا أنا.
فسأله علي:
ـ وماذا تفعل هنا؟
فأجابه:
ـ جئت لأقضي عطلتي في منزل عمي، الذي هو من لحمي ودمي، وعندي الحق في ذلك. وليس مثلك أيها الشحاد المتشرد، الذي دفعت أخاك لسيارة عمي من أجل أن يتسنى لكم ما وفره لكم الآن.
قاطعه علي وقال له:
ـ كلامك هذا نابع من حقد دفين. أنا أعلم لماذا تقول مثل هذا الكلام، لكن تأكد أنني لن أرد عليك الإساءة بالإساءة. والآن أتركني أمر.
بدأ علي بالمشي، لكن ما إن مشى بعض الخطوات حتى عاد إليه وأمسكه من يده، ثم من قميصه، وبدأ بالصراخ في وجهه:
ـ ماذا تقول أيها المعتوه المحتال! لقد قمتم أنت وعائلتك بالاحتيال على عمي، ولم يكفكم كل تلك الأموال التي أعطاكم إياها، بل وصل بكم الأمر حتى العيش عنده وفي بيته! مثل هذه الوقاحة لم أر في حياتي.
غضب علي مما سمعه من شفيق، وأمسكه هو الآخر من قميصه، ثم بدأ بالصراخ هو الآخر ويقول له:
ـ لماذا تكذب؟ أنا أعلم أنك تريد أن تستولي على كل أملاك العم حسين، وكل ما قلته نابع من حقد على تفضيلي عليك. أنت طماع، لا يهمك شيء إلا المال.
وما إن أكمل علي كلامه حتى وجه له شفيق لكمة على وجهه، ثم أتبعها بعدد من الضربات الأخرى، وطرحه أرضا، وواصل ضربه له وهو يصرخ بأعلى صوته:
ـ عد إلى الشارع أيها المتشرد المعتوه!
لم يتوقف عن ضربه إلا بعد تدخل الناس، الذين فضوا ذلك الاعتداء الوحشي.
تخيلوا معي طفلا في الرابعة عشرة، يعنف من قبل رجل في نهاية العقد الثالث من العمر.
تحول وجه علي إلى بركة من الدماء، حتى أنه لم يستوعب ما حصل له.
الناس المتواجدون في ذلك المكان يسألونه:
ـ هاي، هل أنت بخير؟
لكن لم يرد علي بأي كلمة.
تركه شفيق غارقا في دمه، وركب في سيارته، وفر من ذلك المكان.
علي في تلك اللحظة تذكر كيف كان والده يدافع عنه عندما كان يتشاجر مع أبناء حيه.
فلو كان ما زال على قيد الحياة، لما سمح أن يحصل ذلك لفلذة كبده.
اختلطت دموع علي بدمائه، وهو يتذكر صورة والده، وبدأ يقول بصوت هامس:
ـ أين أنت يا أبي؟ أين أنت؟ تعال وانظر كيف يعاملوننا الناس بدون رحمة. عد يا أبي إلى الحياة، أو خذني معك. لم أعد أستطيع تحمل هذه المعاناة.
وفي تلك اللحظة، وصل العم حسين، الذي اتصل به صاحب أحد المحلات، الذي كان يعرفه جيدا، وأخبره بالحادثة.
أمسكه من يده، ثم مسح دماءه، وقال له:
ـ علي، ماذا حدث؟ علي، أجبني. ما بك؟ من فعل بك هذا؟
نظر علي إلى عمه بنظرة ضعف، لم يستطع حتى أن يقول ولو كلمة، لأن دموعه منعته من الكلام.
احتضنه عمه حسين، ثم رفعه من الأرض، وقال له:
ـ لن أسامح من فعل بك هذا.
العم حسين لم يرى علي في تلك الحالة، من الضعف منذ أن تعرف عليه، وهو الذي اعتاد أن يراه في صورة الرجل الصغير البطل الذي لا يوقفه شيء.
وأثناء سيرهم، قص عليه علي كل القصة من بدايتها لنهايتها.
فقال له العم حسين:
ـ لن يمر ما فعله بك دون عقاب. تأكد، سأعاقبه عن فعلته.
رغم كلام العم حسين، وتوعده لعلي أنه لن يترك الحادثة تمر دون عقاب على شفيق، لكن علي اشتاق كثيرا لوالده، وتأكد أنه لا يمكن لأحد أن يملأ فراغ الأب مهما كان.
فلو كان والده على قيد الحياة، ورأى ما حدث له، كان سيقلب الدنيا على رأس شفيق، وكل من تسول له نفسه مس شعرة واحدة من أبنائه.
🔹 قال الله تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ﴾
[الضحى: 9]
عاد علي إلى أمه وهو في حالة يرثى لها، والدماء تغطي جزءًا من وجهه. وما إن وقع بصرها عليه حتى تملكها الرعب، وصرخت بصوت يملؤه الخوف:
ــ ماذا حدث لك يا علي؟ من فعل بك هذا؟
جلس علي أمامها وبدأ يقص القصة كاملة، بينما راحت هي تنظف جراحه بالمعقمات وتضع له الضماد بحنان الأم التي تخاف على فلذة كبدها. ثم نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:
ــ يا بني، لماذا قلت له ذلك الكلام؟ لقد كان سرًا بيني وبين السيدة خديجة، والبوح به سيزيد حقدهم عليها.
خفض علي رأسه نادمًا، وقال بصوت خافت:
ــ سامحيني يا أمي، لقد تسرعت.
ابتسمت الأم رغم ألمها وقالت بحزم ممزوج بالعاطفة:
ــ من اليوم فصاعدًا، تجنب ذلك اللئيم ولا ترد عليه. نحن هنا بفضل الله وكرمه، وعمك حسين أحسن إلينا جزاه الله خيرًا. نحن نعمل عنده ولا نأخذ شيئًا بغير حق. يا بني، اترك عنك كلام الناس، فإرضاؤهم غاية لا تُدرك. ثق أن الله سيبدل حالنا، وستتحسن أوضاعنا قريبًا، وسننتقل إلى بيت يخصنا.
أثلجت كلماتها صدر علي، وشعر كأن همومه تنزاح قليلًا. التفّ حوله إخوته صفي الدين وقيس، يشجعانه ويواسيانه، فيما تقدمت الصغيرة مريم نحوه، تحتضنه بضحكتها البريئة ووجهها الدائري الصغير الذي يفيض نقاءً.
أمسك علي بيدها وهمس:
ــ يا أختي، لقد كتب الله أن تُحرمي من كلمة "يا أبي"، لكني أعدك أن أكون لك أبًا وأخًا، وسأعوضك عن كل ما فقدتِ.
ضحكت مريم ببراءتها المعتادة، وازداد تعلقها به أكثر، فهي لم تر فيه مجرد شقيق، بل ظِلّ والدها الراحل.
وبينما كان يلعب معها، قُطع المشهد برنين الجرس. فتحت الأم الباب، فإذا بالسيدة خديجة وبناتها قد حضرن للاطمئنان على علي. اقتربت خديجة منه وقالت بابتسامة ودودة:
ــ العم حسين بانتظارك في الخارج.
خرج علي مسرعًا، يخشى أن يطيل عمه الانتظار. وما إن رآه العم حسين حتى تقدم نحوه واحتضنه بعينيه قبل ذراعيه:
ــ كيف حالك يا بني؟ هل زال الألم؟
أجاب علي بابتسامة متعبة:
ــ نعم يا عم، الحمد لله.
جلس العم حسين برهة ثم قال بنبرة جدية ممزوجة بالحنان:
ــ يا علي، فكرتُ أن أسجلك في مدرسة خاصة لتعليم الملاكمة. إنها مدرسة تخرّج منها الكثير من الملاكمين المعروفين في الجزائر.
تسارعت دقات قلب علي، فقد لامس اقتراح عمه حلمًا دفينًا في داخله منذ أن شاهد أول نزال ملاكمة في حياته. لطالما أحب هذه الرياضة وتمنى أن يكون ملاكمًا.
رفع عينيه إلى عمه وقال بلهفة:
ــ أشكرك كثيرًا يا عم… بالتأكيد أقبل.
أشرق وجه العم حسين فرحًا، فقد أراد لعلي أن يتعلم كيف يدافع عن نفسه، وألا يكون لقمة سائغة لأي شخص.
لكن علي لم يكن يعلم أن قصته مع ابن عم حسين ستأخذ مسارًا لم يتخيله يومًا…
بعد الحادثة والظلم الذي تعرّض له علي من قِبل شفيق، ابن أخ العم حسين، قرر أن يتعلم كيف يدافع عن نفسه. فانضم إلى مدرسة خاصة بالملاكمة. كان علي يدرس بجدّ، ولم يكن يخلط بين عمله ودراسته ورعايته لإخوته الصغار وأمه، وبين الرياضة التي انضم إليها حديثًا.
في تلك المدرسة القتالية تعرّف علي على أصدقاء جدد، سرعان ما أصبحوا له إخوة أوفياء رغم قصر المدة التي جمعتهم.
واصل علي دراسته، ولم تعد تفصله إلا أيام معدودة عن امتحان شهادة التعليم المتوسط. وقفت أمه إلى جانبه، تشجعه وتدعمه ليكون من الأوائل في صفه.
وفي أحد الأيام، عاد علي إلى بيته بعد يوم شاق ومتعب. دق جرس الباب، ففُتح بهدوء، وإذا بمنظر جعل الدم يتجمد في عروقه. وقف علي مذهولًا، عيناه لا تصدقان ما تراه... كان صفي، أخوه، هو من فتح الباب واقفًا على قدميه!
ارتجف علي من شدة الصدمة، ثم تقدم خطوتين إلى الأمام واحتضن أخاه، والدموع تنهمر من عينيه وهو يقول:
"صفي! يا الله... لقد وقفت على قدميك من جديد! كيف حدث هذا؟"
ابتسم صفي ابتسامة عريضة وأجاب:
"أخي، كنت أتدرب منذ فترة طويلة، وبدأت تظهر عليَّ علامات التحسن. أمي أخذتني إلى طبيب خاص، وبفضل الله ومع العلاج الفيزيائي، تمكنت من الوقوف من جديد."
غمر الفرح قلب علي، ثم قال متعجبًا:
"ولماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟"
تدخلت الأم قائلة بابتسامة:
"أنا من طلبت منه أن يُبقي الأمر مفاجأة لك... أردت أن تراه واقفًا بعينيك."
ضحك علي من كلام أمه، غارقًا في سعادة غامرة. لكن صفي اقترب أكثر وقال:
"أخي، هل تعلم سرّ شفائي ووقوفي دون عملية جراحية؟"
استغرب علي وأجابه:
"ماذا تقصد؟"
مدّ صفي يده وأخرج قلادة من تحت ثيابه، مكتوب عليها: "مادام الله معنا". ثم قال:
صفي: "هذه القلادة أهداها لي الطبيب في المستشفى... لم أنزعها أبدًا إلا عند الاستحمام."
تجمّدت عينا علي على القلادة، ومرت أمامه كل الذكريات الصعبة التي عاشها مع أخيه.
شعر بفضل الله العظيم، فخرّ ساجدًا في مكانه شاكرًا ربه وحامدًا إيّاه على نعمته.
الآن صفي وقف مرة أخرى على قدميه، فأزاح همًّا كبيرًا عن كاهل علي وأمه، اللذين كانا يتسابقان على حمله ورعايته.
كان علي بمثابة قدميه في الخارج، وأمه في الداخل. وتستطيعون أن تتخيلوا درجة الصعوبة التي تواجهها أم مع طفل مقعد، حتى في أبسط الأمور وأدقّ التفاصيل.
تحوّل اسم صفي الدين في مدرسته من الفتى المعجزة إلى الفتى الكرسي. فقد كان يتعرض للتنمر، وأصدقاؤه ينفرون منه ولا يوافقون أبدًا على اللعب معه.
قضى صفي الدين تلك الفترة الصعبة جالسًا وحده في القسم وأثناء الاستراحة، بينما كان الجميع يسخرون منه. ولم يكن يجد الراحة إلا عند عودته إلى بيته، الذي كان يشعر فيه أنه الملاذ الآمن.
ورغم كل تلك المعاناة، لم يخبر صفي أحدًا من عائلته بما يواجه، كي لا يزيد حملاً آخر على كاهلهم، خصوصًا شقيقه علي.
وكان كلما تسلّل إليه الإحباط أو اليأس، يُخرج تلك القلادة من ثيابه وينظر إليها حتى تلمع من دموعه، فيبث لها همه ويدعو الله أن يخلصه من معاناة لا تُحتمل.
تلك القلادة التي بدت في البداية مجرد هدية من ذلك الطبيب، تبيّن في النهاية أنها لم تكن عادية. فقد كُتبت عليها رسالة مرصّعة بالصمود، كانت كشعلة أنارت قلب صفي الدين، وبعثت فيه الأمل حتى قام من جديد على قدميه.
الآن، تخلّص صفي من كرسيه، بفضل الله ثم بفضل صموده ودعم علي وأمه له. وأول خطوة يخطوها خارج البيت ستكون بداية لحياة جديدة مليئة بالتحديات.
🔹 قوله تعالى:
﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾
(يوسف: 90)
الأيام تمرّ بسرعة… مرّت خمسة أشهر كاملة منذ حادثة طرد العم مسعود لعائلة علي. لم يعد يفصل علي عن اجتياز شهادة التعليم المتوسّط سوى يومين فقط. ازداد توتّره مع ضغط الدراسة، وبينما كان عائدًا من مراجعة دروسه مع أصدقائه، مرّ على طفل صغير يحمل في يده سلّة مصنوعة من ورق القصب، لونها أصفر، وتنبعث منها رائحة شهية. وما إن استنشقها علي حتى دغدغت أنفه وسلكت طريقها إلى عقله، فأيقظت فيه ذكريات قديمة، وأحيت في قلبه ألمًا حاول نسيانه لكنه لم يستطع.
قال علي للصبي:
ـ ماذا تحمل في يدك؟
فأجابه الصبي بنظرة فيها بريق من الأنين، قراءة واضحة لا تحتاج إلى كلمة. عيناه فسّرت كل شيء.
أمسك علي بالسلّة، أزاح الغطاء عنها، فإذا به يرى المحاجب الساخنة، مرصوصة فوق بعضها. وما إن وقعت عيناه عليها حتى اجتاحت ذاكرته موجة حزينة؛ تذكّر معاناته وهو صغير، متنقّلًا من شارع إلى آخر ليبيع تلك المحاجب ويوفّر لقمة عيش لأمه وأبيه العاجز وإخوته.
تذكّر يوم كان يبيع السلّة أمام أحد المحلات ليتفادى المطر، لكن صاحب المحل طرده، وحين أصرّ على البقاء ركل السلّة بقدمه ورماها وسط الطريق.
تذكّر أيضًا كيف كان يتعرّض للسرقة من أصحاب القلوب السوداء، وكيف كان أصدقاؤه يمرّون بجانبه، ينظرون إليه نظرة استهزاء وسخرية.
مرت كل تلك الذكريات على عيني علي كفيلم قصير، يروي معاناة قاسية تجرّعها وهو طفل بريء. ابتسامته لم تستطع أن تُخفي قسوة الناس من حوله.
اقترب علي من الصبي، وضع يده على رأسه وقال له:
ـ أين تسكن؟
فأشار الصبي بيده نحو أحد الأزقّة في حي علي منجلي، وقال:
ـ هناك… في تلك العمارة.
فقال علي:
ـ وماذا تفعل بهذه السلّة؟
أجابه الصبي بابتسامة تخفي حزنه:
ـ أمي تطهو الطعام، وأنا أبيع لأوفّر لها المال.
امتلأت عينا علي بالدموع، وقال له:
ـ وأين والدك؟
نظر الصبي إلى علي نظرة حملت وجع اليُتم، فشعر علي بالإحساس نفسه حتى قبل أن يسمع الإجابة.
أخرج علي مبلغًا من جيبه وقدّمه للصبي وقال له:
ـ سنلتقي قريبًا إن شاء الله. وإن ضاقت بك السبل يومًا ما ولم تجدني، ابحث عني في مدرسة المصارع الذهبي أو في حي المنظر الجميل. إسأل عن "علي" وسيدلّونك على بيتي.
احتضن الصبي علي فرِحًا وقال له:
ـ شكراً لك يا أخي علي.
ثم ركض نحو العمارة مسرعًا ليزفّ لأمه خبر لقائه بعلي والمبلغ الذي أعطاه له. أما علي، فقد تبعه دون شعور منه ليتعرّف على الطابق والباب الذي يسكن فيه، ثم عاد إلى بيته.
وما إن وصل حتى بدأ يطرق الباب وهو ينادي:
ـ افتحي يا أمي… افتحي!
فتحت الأم الباب باستغراب، فقد رأت في ابنها حماسًا لم تره منذ فترة طويلة بسبب إرهاق الدراسة.
قال علي:
ـ يا أمي… لقد رأيت نفسي اليوم وأنا صغير.
ثم قصّ عليها القصة وأضاف:
ـ سبحان الله… في ذلك الوقت كنت أعتقد أنني وحيد، واقف وسط الطريق بتلك السلّة، لكن تبيّن لي أن هناك الكثير من الأيتام لا يسمع أنينهم إلا الله.
استقبلت أم علي كلامه بتأثّر، وحمدت الله الذي أزال عنهم الهمّ، ودعت الله أن يفرّج عن كل العائلات الفقيرة والمحرومة.
في هذا العالم الضيّق، يوجد دائمًا من يقاسمنا الشعور نفسه والمعاناة نفسها، لكن باختلاف الروايات… فكل دمعة يذرفها يتيم، تروي حكاية جديدة من الألم والصمود.
عادت الشمس أدراجها واختفت من على الأفق، حاملةً معها تلك المعاناة، وتحول المكان إلى ليلٍ ساكن. وفي ظلماته واصل علي دراسته دون توقّف، حتى جاءت أمه، أمسكت بيده وقالت له:
ـ هيا يا بُني، العشاء جاهز.
جلس علي مع أمه وإخوته على تلك المائدة، لكن ما إن وضع الملعقة في فمه حتى حضرت صورة الصبي أمام عينيه. حاول أن يبتلع الطعام فلم يستطع، وكأن الملعقة تأبى الدخول. فقال:
ـ يا أمي… لم أستطع التوقف عن التفكير في ذلك الطفل. والله يا أمي، صحيح أنه ذهب، لكنه أخذ قلبي وعقلي معه.
فقالت له أمه:
ـ لا عليك يا علي، هون على نفسك وتناول طعامك قبل أن يبرد.
فأجابها علي:
ـ لكن يا أمي، بينما نحن نتناول الطعام الآن، ربما ذلك الطفل ينام جائعًا.
بدت علامات الحسرة على وجه أمه، ثم قالت:
ـ وعندما كنا نمرّ نحن بنفس الظروف، هل نسيت كيف كان الله يدبّر لنا حالنا؟ هل نسيت كيف كان يبعث لنا ويسخّر عباده لمساعدتنا؟ كم من مرة شعرنا بالجوع، ثم سمعنا دقّات الباب، فوجدنا أمامه أكياسًا كثيرة لم نعرف إلى اليوم من أحضرها!
لا تقلق يا علي… لذلك الصبي ربّ يرعاه كما رَعانا في أصعب الفترات.
هدأ علي قليلًا بعد سماع كلام أمه، وبدأ يتناول الطعام. وبعد انتهائه، أعانها قليلًا في غسل الأطباق، ثم توجّه إلى الغرفة التي ينام فيها مع إخوته. ارتمى فوق سريره وغاص في نوم عميق.
وبينما هو نائم، رأى في حلمه شخصًا يقف أمامه ويعطيه ظهره. حاول علي الاقتراب منه، فلم يستطع. وفجأة التفت الرجل إليه، فإذا به والده محمد. ما إن رآه علي حتى فاضت عيناه بالدموع، وهو يقول:
ـ اشتقت إليك يا أبي… تعال إليّ.
ابتسم والده وقال له:
ـ يا علي، لقد كبرت وأصبحت رجلًا كما تمنيت أن أراك دائمًا. لقد اعتنيت بأمك وإخوتك، وأنا سعيد بك. يا بني، لقد قطعت نصف الطريق بنجاح، وما زال أمامك نصف آخر لتقطعه. وكلما مررت بصعوبة، تذكّر أن الله يرعاك من فوق سبع سماوات، ولن يتركك وحيدًا.
فرح علي كثيرًا بسماع كلام والده، ثم قال له:
ـ يا أبي… تعال، لقد اشتقت إلى حضنك الدافئ. لا تتركني وحدي.
فأجابه والده:
ـ يا بني، عليك أن تتحلّى بالصبر. أنا أيضًا موجود في عالمي الخاص ولا أستطيع العودة منه. سأنتظرك هنا حتى تأتي أنت وأمك وإخوتك. يا علي، تذكّر: اصنع الابتسامة في قلوب الأيتام قدر استطاعتك، ولا تتردّد أبدًا في مساعدة أحد.
وبينما كان والده يكلّمه، بدأ علي يسمع صوتًا غريبًا، شيئًا فشيئًا حتى أيقظه من حلمه. فتح عينيه فإذا بأخته مريم تحاول إيقاظه، وهي التي اعتادت أن تلعب معه كل صباح. ما إن تستيقظ من نومها، تتوجه مباشرة إلى غرفة أخيها، ليكون أول من تراه بعد أمها.
تأكد علي أن ما رآه لم يكن سوى حلم. قال في نفسه:
ـ يا ليتني لم أفق من ذلك الحلم الجميل…
ضمّ مريم بين ذراعيه، وبدأ يلعب معها. هي تضحك دون توقف، وهو يشعر بوخزة أمل في قلبه كلما رأى ابتسامتها البريئة.
قال علي لأخته ضاحكًا:
ـ يا ليت قارئ هذه الرواية يراك حين تكونين جائعة… فلن يصدق أبدًا أن هذه أنتِ!
ضحك مع نفسه، وهو يعلم أن مريم لم تفهم أصلًا ما قاله، وكيف لطفلة في نهاية عامها الثاني أن تعرف ما هي الرواية؟
لكن ما إن لعب معها قليلًا، حتى تغيّرت ملامح وجهها من الضحك إلى البكاء، وعادت مسرعة إلى غرفة أمها لتُحضر لها الطعام، فهي لا تصبر أبدًا على الأكل.
الآن… علي على بُعد خطوة واحدة من الانتقال إلى الثانوية، وهو على مشارف الخامسة عشرة من عمره. وكلما تقدّم في العمر، مرّ بتجارب أكثر وتعلّم منها الكثير.
فيا تُرى… ماذا يخبّئ المستقبل لعلي؟
أشرقت شمس الصباح وانتشرت أشعتها في الأرجاء، وبدأت حناجر العصافير تُغرّد على بداية يوم جديد، وهو اليوم الذي سيجتاز فيه علي امتحان شهادة التعليم المتوسط.
بعد تعبٍ طوال العام ودراسةٍ بجدٍّ دون كلل، اجتاز علي اختبار شهادة التعليم المتوسط طيلة ثلاثة أيام، كانت صعبة لكنها حلوة، ولم يتبقَّ لعلي إلا انتظار صدور النتيجة.
تعلّم علي كثيرًا من الفنون القتالية رفقة أصدقائه، وأهم ما تعلّمه هو الملاكمة. وأصبح علي من أقوى الملاكمين في مدرسته، حيث كان يحتل دائمًا مركزًا مشرفًا أثناء النزال، ولم يكن يُهزم إلا مع من هم أكبر منه سنًا وخبرة، وبصعوبة بالغة.
الآن خطا علي خطوةً عملاقة في تلك المدرسة، ولم يبقَ له سوى أشهر قليلة لينتقل من المستوى الرابع إلى المستوى الثالث، رغم أن ذلك المستوى من الصعب أن يصل إليه شخص في مثل سنّه في ظرف أشهر قليلة.
وأثناء نهاية التدرب، كان دائمًا يذهب إلى المسجد القريب من المدرسة ليصلي صلاة العصر جماعة، ثم يتوجه إلى بيته ليرتاح فيه.
بقي علي على هذه الحال طوال الفترة التي تلت اجتيازه لاختبار شهادة التعليم المتوسط، إلى أن صدرت النتائج بعد انقضاء عشرين يومًا، بقي فيها علي على أعصابه.
وفي اليوم الذي أُعلن فيه صدور النتائج، توجّه إلى مدرسته التي يدرس فيها ليرى ثمرة تعبه، وأخذ معه أخاه قيس. كانت المسافة بين المدرسة وبيته قريبة في الأيام العادية، لكن في هذا اليوم تثاقلت أقدام علي حتى أصبح يشعر وكأن المدرسة في مدينة أخرى. وما إن وصل أمام باب المدرسة حتى بدأت دقات قلبه تتسارع مع تسارع خطواته.
دخل علي إلى فناء المدرسة فوجد مجموعة كبيرة من التلاميذ جاءوا للاطلاع على النتيجة، وكان بينهم بعض أصدقائه الذين درسوا إلى جانبه في نفس الصف. سلّم عليهم، بارك للناجحين وتمنى حظًا أوفر للراسبين، ثم سأل عن مكان القائمة فأرشدوه إليها. شعر علي بعجزٍ في الحركة؛ قدمٌ تتراجع إلى الخلف وأخرى تسرع به نحو اللائحة. وجد الكثير من الناس متجمهرين أمامها حتى صعب عليه رؤية الأسماء. أدخل يده ثم بدأ يشق طريقه بينهم، وما إن وقعت عيناه على الورقة حتى رأى اسمه يتصدّر القائمة. ومن شدّة الفرحة التي غمرت قلبه احتضن أخاه وبدأ يصرخ:
"هذا فضل الله يا أخي، هذا فضل الله!"
وبينما كان علي يصرخ من شدّة الفرح في المدرسة، لم تستطع أمه الجلوس من شدّة التوتر، فبقيت تسير ذهابًا وإيابًا نحو الباب ثم نحو النافذة لترى قدوم علي من عدمه. وما هي إلا لحظات حتى سمعت خطواتٍ تقترب من أمام باب البيت. أسرعت لفتح الباب، فإذا بها السيدة خديجة وبناتها قدمن ليشاركن علي وأمه فرحتهما.
زاد الترقب والانتظار، وكانت أم عائشة تحاول أن تخفّف قليلاً من توتر الأم، لكن دون جدوى. ازداد قلقها بعد تأخر علي، فذهبت لتسجد وتدعُو الله أن يوفّق ولدها، وهي التي كانت دائمة الدعاء له. وقبل أن ترفع رأسها، سمعت علي ينادي من بعيد بأعلى صوته:
"أمي، لقد تحصلتُ على المرتبة الأولى في صفي!"
لم تُصدّق ما سمعته وظنّت أنها تهذي، حتى سمعت دوي الجرس دون توقف. أسرعت أم عائشة وفتحت له الباب، وإذا بعلي يصيح بأعلى صوته:
"لقد نجحت! لقد نجحت! تحصّلتُ على المركز الأول!"
وما إن سمعت أمه ما قاله حتى انهمرت عيناها بالدموع، وبقيت ساجدة لم تقف، وتحولت من الدعاء إلى حمد الله وشكره وهي تقول:
"الحمد والشكر لك يا الله يا أرحم الراحمين، الحمد لك الذي أخرجتني من ظلمات الظلم إلى نور رحمتك."
دخل عليها علي واحتضنها وهو يبكي بحرقة حتى اختلطت دموعه بدموعها، ثم بدأ يتلو هذه الآيات بأعلى صوته:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ...﴾
ثم توقف علي عن التلاوة، وسجد لله حامدًا شاكرًا على فضله وكرمه ووقوفه إلى جانبه في أعتم وأمرّ الفترات.
الآن، علي تحصّل على معدل 18,50 بتقدير ممتاز، واحتل المرتبة الأولى في مدرسته. أقامت أمه حفلة صغيرة دعا فيها علي أصدقاءه، فتناولوا جميعًا حلوى أم علي واتفقوا على أنها أشهى حلوى ذاقوها في حياتهم. فرحت السيدة خديجة كثيرًا بعلي، وقدّمت له حاسوبًا متنقلًا جديدًا كهدية. وما هي إلا دقائق حتى دوّى صوت جرس المنزل من جديد. فتح علي الباب، فإذا به عمه حسين، وما إن وقعت عيناه على علي حتى احتضنه وهنّأه قائلًا:
"سيرتك يا علي على كل لسان، والله يا ابني أنا فخور بك. الجميع في الخارج هنّأوني وكأنك ابني، وأنت فعلًا ابني."
فرح علي كثيرًا لذلك الكلام الجميل من عمّه حسين، ثم دعاه لتناول الحلوى معهم. وكالعادة، لا يقدر أحد على رفض أكل أم علي، وهل تعلم السبب؟ لأنها كانت تطهو الطعام بقلبها قبل يدها.
أم علي إنسانة مؤمنة، طائعة لله، حافظة لكتابه، وكانت السند بعد الله لزوجها المتوفى ثم لأبنائها. كل من تعرّف عليها كان يحترمها ويحبها ويقدّرها.
كانت لا تتكلم كثيرًا، لكن إذا تكلمت خرج من فمها عسلٌ معسول، وكلامها لا يخلو أبدًا من التذكير بالله، يحتضن القلب كنسمات الهواء البارد بعد يوم حار. كانت البنت الوحيدة لوالديها المتوفيين. ترك لها والدها بيتًا لها ولأخيها، لكنها قدّمته له. ورغم ذلك، رفض شقيقها الوحيد مساعدتها أو حتى سماع أنينها، وكان يغلق الهاتف كلما اتصلت به.
لكن الله عوّضها بأبناء أذكياء وصالحين، وكذلك بعائلة العم حسين.
بعد ذلك اليوم السعيد لعلي وأمه، وما إن صلّى الجميع صلاة العشاء بعد تناولهم الطعام، خلدوا جميعهم للنوم، باستثناء علي الذي غطّى رأسه تحت الغطاء وبدأ يتخيل كيف ستكون فرحة والده. فهطلت دموعه، إذ كان يشعر بفرحة ناقصة، لأن والده ليس معه بل ينام وحيدًا تحت التراب.
الآن أصبح علي شابًا نافعًا، ودّع الطفولة ودخل مرحلة الشباب والمراهقة.
قضى أغلب فترات الصيف بين مدرسة الملاكمة وكذلك في مصنع العم حسين، وكان لا يعود إلى بيته إلا بعد حلول الظلام.
وفي إحدى الليالي الحارة، خرج علي رفقة أصدقائه للتجول والهروب من الجو الخانق في البيت، وللاستنشاق نسمات الهواء الباردة.
قرر أصدقاؤه الذهاب إلى بلدية قسنطينة (لبلاد) لتناول الآيسكريم مقابل الجسور المعلقة، وهو من الأماكن التي تشتهر بجمالها قسنطينة.
بقي الجدال بينهم طويلًا إلى أن أقنعوا عليًّا بمرافقتهم، وبصعوبة.
توجّهوا جميعًا وركبوا سيارة الأجرة وانطلقوا، لكن قلب علي ظلّ مثقلًا بشعور غامض… إحساس داخلي بعدم الارتياح لهذه الرحلة المفاجئة.
وما هي إلا دقائق حتى دوّى صوت مزمار السيارة، وإذا بزحمة خانقة تسدّ الطريق؛ عشرات السيارات والشاحنات تتكدّس أمامهم بلا حراك.
نظر علي إلى أصدقائه وقال محذّرًا:
"رأيتم الآن؟ حذّرتكم من الزحمة، لكن لم تسمعوا كلامي."
أجابه أحد أصدقائه متنهدًا:
"نعم، معك حق يا علي، لكن فات الأوان… لقد قطعنا نصف المسافة."
ثم تدخّل صديق آخر قائلاً:
"أعرف طريقًا آخر: نرجع عبر الطريق الاجتنابي إلى بلدية الخروب، ثم نسلك طريق لمريج مرورًا بسساوي، بعدها ندخل إلى حي القماص، ونتحوّل من هناك إلى حي سيدي مبروك… صدقوني، سنجد الطريق خالية تمامًا."
لكن علي قطّب جبينه وقال بجدية:
"حذرتكم… تلك الطريق بالذات ليست آمنة، خصوصًا في هذا الوقت المتأخر. فيها قطاع طرق، وقد لا نخرج منها سالمين."
تردّد السائق قليلًا، ثم نظر إلى الازدحام أمامه، وقال بعد تفكير:
"صحيح أنها خطرة… لكن هذه الزحمة لن تنتهي قبل نصف ساعة على الأقل."
وبضغط من الأصدقاء، حسم قراره:
"حسنًا… سنسلك الطريق الأخرى."
تقدّمت السيارة، وبعد دقائق، وصلوا إلى منطقة لمريج.
بدأوا يستمتعون بصفاء هوائها ومناظرها الهادئة البعيدة عن ضوضاء المدينة، لكن لم يدم ذلك طويلًا… فما هي إلا لحظات حتى انغمسوا وسط الغابة.
الإنارة شبه منعدمة… سكون ثقيل يخيّم على المكان… وحدها أضواء سيارتهم تقطع العتمة.
الأشجار الكثيفة تحاصر الطريق من الجانبين، وصوت البوم وصفير الحشرات ينساب في الليل ليزيد رهبة الأجواء.
الجميع شعر وكأنهم أبطال في مشهد من فيلم رعب.
وبينما كانوا يتقدّمون، بدأ الخوف يتسرّب إلى قلوب أصدقاء علي، لكن علي بقي منشغلًا بالحديث مع السائق الجالس بجانبه.
وفجأة… دووووم!
داست عجلة السيارة على شيء حاد. اهتزّت السيارة وارتجّت، فانتبه السائق على الفور، لكنه لم يستطع منع ما حدث… الإطار قد فرغ تمامًا من الهواء.
ارتفعت أصوات الأصدقاء:
"ماذا حدث؟!"
الخوف يعلو ملامحهم.
ردّ السائق بوجه متوتر:
"يبدو أننا داست عجلات السيارة على شيء حاد… سأخرج لأتفقدها."
تحرّك علي قائلاً: "سأخرج معك."
لكن السائق هزّ رأسه بحزم:
"لا، اجلس. أنت ما زلت صغيرًا. ابقوا جميعًا في السيارة، المكان هنا خطير… قد يهاجمنا كلب متشرد أو حتى خنزير بري."
نزل السائق، أغلق الباب خلفه، وأشعل ضوء هاتفه وهو يتقدّم نحو العجلة.
وفجأة تجمّد في مكانه…
لقد وجد الخشب مغروسًا بالمسامير، مرميًّا بعناية في وسط الطريق.
ولمّا أدار رأسه نحو الجهة الأخرى، رأى المزيد من الأخشاب المسمّرة على الأرض.
ركض عائدًا إلى السيارة، فتح الباب بسرعة، وقال بصوت مرتجف:
"لقد وقعنا في فخ… فخ قطاع الطرق!"
ساد صمت مرعب للحظات، قبل أن ينفجر الأصدقاء بالصراخ:
"يا إلهي! ماذا سنفعل الآن؟ ليتنا لم نأتِ! ليتنا سمعنا كلام علي!"
حاول علي أن يهدّئهم، وقال بثبات رغم خوفه:
"اهدأوا… لسنا وحدنا هنا… معنا الله."
مدّ السائق يده إلى هاتفه محاولًا الاتصال بالشرطة… لكن لا جدوى.
لا وجود لتغطية.
أخرج علي هاتفه بدوره… لكن شاشة الهاتف أظهرت نفس الشيء: لا إشارة.
وفي تلك اللحظة بالذات…
ارتسم ظل غامض لرجل قادم من عمق الغابة.
خطواته بطيئة، صوته يقترب شيئًا فشيئًا… حتى بدأ يلوح ملامحه وسط الظلام.
علي وأصدقاؤه… وقعوا في مصيدة قطاع الطرق.
لكن… هل سيتمكّن بطل الرواية من النجاة؟
وهل ستتحول تلك الليلة إلى ذكرى لا تُنسى… أم إلى كابوس لا يُمحى؟
تكملة الرواية #مادام_الله_معنا
الفصل الثالث :
خَيَّم السكون على المكان، وانتقلت نظرات علي وأصدقائه وكذلك السائق نحو الرجل الذي خرج من بين الأشجار وبدأ يقترب منهم رويدًا رويدًا.
صاح أصدقاء علي بأعلى أصواتهم، ولم يعودوا قادرين على التحكم في أنفسهم، فقد تملّك الرعب الجميع، حتى علي لم يعد يخفي توتره.
الجميع ينتظر وصول الرجل، وكل شخص يسأل نفسه: من يكون؟ هل هو من الإنس أم من الجن؟
بدأ عقلهم الباطني يصوّر لهم أبشع السيناريوهات التي كانوا يشاهدونها في الأفلام.
حاول السائق تهدئة الجميع قائلًا:
"لا تخافوا، إننا أربعة وهو واحد فقط."
ثم أكمل علي كلامه وقال:
"يا جماعة… تمسّكوا بالله، وادعوا الله أن ينجّينا من كيدهم."
وبينما هم يتبادلون أطراف الحديث ويحاولون تهدئة أنفسهم، إذا بذلك الرجل يطلّ من زجاج السيارة بجانب السائق!
فبدأ الجميع بالصراخ من شدّة نوبات الهلع التي انهالت عليهم.
اقترب الرجل أكثر وبدأ يطرق زجاج السيارة وهو يسأل السائق:
"لماذا توقّفتم هنا؟"
وما إن تكلم الرجل حتى هدأت نفوس الجميع قليلًا.
أجابه السائق:
"لقد تعرّض إطار السيارة لثقب بعدما مشينا على أحد الأخشاب المغروسة بالمسامير والمرمية في الطريق."
قال الرجل باستغراب:
"ولماذا تسيرون في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ ألا تعلمون بخطورة هذا المكان؟"
فأجابه السائق:
"لقد اضطررنا إلى سلوكه بسبب الزحمة في الطريق الوطني."
قال لهم الرجل:
"حسنًا… سأساعدكم. هل لديكم عجلة احتياطية لنركبها بدلًا من هذه المعطّلة؟"
لكن السائق تنهد وأجابه:
"للأسف… لقد نسيتها في الكراج."
تعجّب الرجل من سائق يسير بدون عجلة احتياطية، ثم قال:
"الحل الوحيد أن تذهبوا إلى ذلك المكان… هناك مزرعة للدجاج، ربما يستطيع صاحبها أو العامل أن يدبّر لكم إطارًا تكملون به الطريق. هيا تعالوا معي."
لم يرتح السائق لفكرة الرجل في البداية، لكن لم يكن هناك حل آخر. فاتفق مع علي وأصدقائه أن يبقوا داخل السيارة، وأوصاهم قائلًا:
"مهما حدث… لا تخرجوا منها حتى أعود."
ذهب السائق مع الرجل على أمل أن يجد إطارًا مناسبًا، وبقي علي وأصدقاؤه في السيارة ينتظرون، وقلوبهم تخفق بقوة وكأنها قرع طبول وليست نبضات.
مرّت نصف ساعة… ولم يعد الرجل ولا السائق.
زاد التوتر والخوف، وما هي إلا لحظات حتى سمعوا خطوات أقدام تقترب منهم.
في البداية كانت بطيئة… ثم بدأت تتسارع، وما هي إلا ثوانٍ حتى اجتمع حول السيارة ثلاثة أشخاص، يحملون سكاكين في أيديهم ووجوههم ملثمة.
حاول أحدهم فتح باب السيارة، فارتفع صراخ الجميع.
اقترب أحد أفراد العصابة من الباب الذي بجانب علي، وكسره بقوة حتى فتحه.
تفاجأ علي، فإذا بالسارق يمسكه من كتفيه ويدفعه إلى الخارج.
وفعلوا الشيء نفسه مع بقية أصدقائه، وهم يرجون قطاع الطرق أن يتركوهم وشأنهم ولا يؤذوهم.
فتشوا السيارة، فلم يجدوا شيئًا، ثم بدأوا بتفتيش أصدقاء علي، فعثروا عندهم على بعض المال.
اقترب أحدهم من علي ومد يده إلى جيبه… لكن علي باغته بلكمة قوية على وجهه طرحته أرضًا حتى أغمي عليه.
صاح أصدقاء السارق:
"ماذا فعلت أيها الصغير؟ ستدفع الثمن غاليًا!"
حملوا صديقهم فوجَدوا الدماء تتدفق من أنفه بلا توقف… فتأكدوا أن علي قد كسر أنفه.
تشجّع أصدقاء علي، والتفوا حوله.
فقال علي بصوت قوي:
"من يريد منكم أن يحصل له ما حصل لصديقه… فليقترب!"
أمسك أصدقاء علي بالحجارة وبدأوا يهددون قطاع الطرق.
وبينما هم في تلك الحالة، إذا بالرجل والسائق يعودان حاملين الإطار.
وما إن رآهم قطاع الطرق، حتى فزعوا وفرّوا هاربين بعد أن حملوا صديقهم الذي استعاد وعيه.
ركض السائق بسرعة بعدما رأى باب السيارة مفتوحًا والجميع في الخارج، ووصل إليهم وهو يلهث:
"ماذا حدث لكم؟!"
فقصّوا عليه القصة كما حدثت.
التفت الرجل إلى علي وقال وهو يربّت على كتفه:
"شكرًا لك يا بُني… فلولا شجاعتك لكانت السيارة بين أيدي المجرمين."
ثم أضاف:
"اعلموا أن هذه المنطقة مشهورة بقطاع الطرق، وعليكم أن تتجنّبوا السير فيها خصوصًا في الليل.
"شكر الجميع ذلك الرجل بعد أن ساعدهم على تركيب عجلة السيارة.
عادوا جميعهم إلى السيارة، وبينما صعد الرجل الغريب وعاد من نفس المكان الذي جاء منه، حتى رأوا جميعهم أقدامه تشبه أقدام النعاج!
انطلقوا مسرعين من هول ما رأوه من ذلك الرجل، وعادوا إلى مدينة علي منجلي بعدما ألغوا طريقهم إلى بلدية قسنطينة.
قال أحد أصدقاء علي:
"هل رأيتم أقدام الرجل؟ كيف لم ننتبه لها في البداية؟"
فقاطعهم السائق وقال:
"لقد ذهب معي، وأثناء سيرنا شعرت بشيء مريب فيه. كان يرتدي ثوبًا طويلًا جدًا، فلم أنتبه لأقدامه. لكن أنفاسه وحركات رأسه ونظرته كانت مزعجة للغاية."
قاطعه علي متسائلًا:
"وكيف لم تخف منه؟"
فأجاب السائق:
"وكيف لم أخف!؟ لقد كانت قدماي ترتعشان من شدة الرعب، لكنني كنت مجبرًا على السير معه. وعندما بدأت أقول: بسم الله، بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث… نظر إلي بنظرة حادة وقال: لقد وصلنا، هذه هي المزرعة.
المشكلة أنني لم ألمح المزرعة من بعيد، حتى وجدتها أمامي فجأة!"
اندَهش الجميع مما سمعوه من السائق، ثم قالوا له:
"وماذا فعلت عندها؟"
فأخبرهم:
"لقد وجدت رجلًا غريبًا جالسًا أمام المزرعة، يشبه كثيرًا ذلك الرجل. أعطاني الإطار دون أن يقول كلمة. بعدها بدأ يتحدث مع الرجل الأول بعد أن خلا به، وتركوني أنتظر من بعيد. كانا يتحدثان ويصدران أصواتًا غريبة لم أسمعها في حياتي."
قاطعه علي وقال:
"صف لنا ذلك الصوت."
فأجابه السائق:
"والله لا أستطيع وصفه أبدًا، لأنه لا يشبه أي صوت في هذا العالم."
فقال أحد أصدقاء علي:
"إذن لهذا استغرقتم وقتًا طويلًا في العودة!"
فأجاب السائق:
"نعم."
ثم قال علي:
"ألم تلاحظوا شيئًا آخر؟ عندما ركض السائق، كان الرجل يقف دون حراك، وفجأة وجدته أمامي قبل السائق! لقد وصل قبلك، كيف حدث ذلك؟"
فقال السائق:
"نعم… لم أنتبه بسبب التوتر عندما رأيت قطاع الطرق. لكن معك حق، لقد ركضت قبله، وعندما وصلت وجدته يقف عندكم!"
استغفر الجميع واستعانوا بالله، وبقيت هذه الحادثة لغزًا محيّرًا، خصوصًا: لماذا قام ذلك الرجل غريب الأطوار بمساعدتهم؟
اتفق الجميع على العودة إلى ذلك المكان صباحًا ليروا المزرعة وما فيها…
عاد علي رفقة أصدقائه إلى مدينة علي منجلي، كان الليل قد غطّى المكان بسكون ثقيل، والهدوء لا يقطعه إلا وقع خطواتهم المتعبة. توجه علي نحو بيت العم حسين، فوجد الباب الكبير مفتوحًا. ارتجف قلبه لحظة، لكنه لم يتردد، دخل مسرعًا وتوجه إلى شقتهم وطرق الباب.
فتح له العم حسين، وعلى وجهه علامات القلق والسهر. تفاجأ علي من وجود عمه في شقتهم في هذا الوقت المتأخر، وما هي إلا لحظات حتى لحقت به زوجته، بملامحها المرهقة وعينيها المتورمتين من السهر، وقالت لعلي بصوت يختلط بين الغضب والدموع:
ـ (أين كنت؟ لماذا تأخرت لهذا الوقت؟ لقد قلقنا عليك، انظر ماذا حل بأمك، لم تتوقف عن الاتصال بك وهاتفك مغلق… ماذا حدث؟).
شعر علي أن الكلمات تسقط عليه كالصواعق، فاندفع إلى الداخل، وهرع نحو أمه. وجدها جالسة في حالة يُرثى لها، وجهها شاحب ويديها ترتجفان من شدة القلق. كانت دموعها لا تفارق وجنتيها، حتى إن العم حسين وزوجته جلسا بجانبها ليواسياها.
ركع علي أمام أمه، والدمع يملأ عينيه، واعتذر لها بصوت مرتجف وأخبرها أنه لن يعيد هذا التصرف.
لكنها نظرت إليه بعينين دامعتين وقالت:
ـ (لماذا يا علي؟ لماذا تأخرت وسهرت لهذا الوقت؟ لم تعتد على هذا الفعل… لقد انتابني شعور غريب، وكأن مكروهًا حدث لك. ضاق صدري، اتصلت بك فوجدت هاتفك مغلقًا، وهذا ما زاد من توتري).
لم يتمالك نفسه، احتضنها بقوة، قبّل رأسها وهمس:
ـ (أعدك يا أمي أنني لن أسهر مرة أخرى لوقت متأخر).
لكن صوت العم حسين قطع لحظة الحنان وهو يناديه بنبرة صارمة:
ـ (تعال معي إلى الخارج).
خرج علي وهو متوجس، وفي اللحظة التي ابتعدا فيها عن الشقة، باغته عمه حسين بصفعة قوية على وجهه. ارتج جسده وتجمّد مكانه، شعر وكأن السكين انغرس في قلبه. لم يسبق لعمه أن رفع صوته عليه، فما بالك أن يمد يده!
قال العم حسين بصرامة:
ـ (لو فعل ابني نفس الفعل لكنت ضربته مثلما فعلت معك).
لم يجد علي الكلمات، حاول أن يشرح، أن يدافع عن نفسه، لكن عمه لم يمهله وقال:
ـ (لن أسمعك يا علي، ولن يهمني ما ستقوله. المهم ما ستسمعه مني: من اليوم فصاعدًا لن تدخل البيت في هذا الوقت المتأخر، ولن تكون في الشارع بعد العاشرة ليلًا. هذا آخر إنذار).
ثم ابتعد خطوات، لكنه استدار وقال بصوت أخفّ:
ـ (لو رأيت الحالة التي وصلت إليها أمك لفهمت لماذا قسوت عليك).
تركه العم ومضى، بينما ظل علي واقفًا، وجهه يحترق من ألم الصفعة وقلبه ينزف من جرح أعمق بكثير… جرح الخذلان.
عاد إلى شقته ببطء، فتح الباب، اقترب من غرفة أمه فوجدها نائمة بجانب مريم، فتنهد وأغلق الباب. دخل غرفته وهو غارق في شروده.
شعر بقدومه أخوه قيس، فاستيقظ وقال:
ـ (يا علي أين كنت؟ لقد قلقنا عليك، لم تعتد الدخول في هذا الوقت).
رد علي بنبرة ثقيلة لم يعهدها أخوه:
ـ (يا قيس، لو أقص لك ما حدث لي لن تصدقني… وبما أنك لن تصدقني، لن أتعب نفسي في التوضيح. عُد لنومك يا أخي).
صمت قيس متفاجئًا، واستلقى على ظهره يتساءل في صمت عن سرّ التغير في أخيه.
أما علي، فاستلقى على سريره بلا نوم. حاول أن يسترجع تفاصيل ما حدث لهم من قطاع الطرق، لكن صورة كف العم حسين تعود دائمًا أمامه كفاصل إعلاني ثقيل يقطع كل أفكاره. شعر أن قلبه قد انكسر، وأنه لم يعد كما كان.
مرت الليلة بصعوبة، ولم يذق طعم الراحة.
في الصباح، أيقظه صوت بكاء أخته مريم، بكاء حادّ لا ينقطع. نادى أمه فلم تجبه، أسرع إلى غرفتها فوجد مريم تبكي وأمه نائمة بجانبها. ارتعش قلبه. ناداها مرات فلم ترد. اقترب منها، أمسك يدها، حركها… لا شيء.
صرخ بصوت مبحوح:
ـ (أمي أرجوك، أفيقي! أمي ماذا حدث لك؟).
شعر بالخوف ينهش قلبه، جسده يتصبب عرقًا، والهلع يكاد يخنقه. أمسكها بقوة وراح يهزها. فجأة فتحت عينيها ببطء، أمسكت بيده وهمست:
ـ (ذلك الشعور الذي شعرت به أنت لبضع ثوان، أنا شعرت به لثلاث ساعات كاملة. كما ناديتني أنت ولم أجبك… اتصلت بك أنا ولم تجب).
انفجر علي بالبكاء، ثم تحول بكاؤه إلى ابتسامة فرح. احتضنها وهو يقول:
ـ (الحمد لله يا أمي لم يحدث لك شيء).
قبّل يديها مرارًا، واعتذر بحرارة. ثم رفع مريم الصغيرة بين ذراعيه وقال وهو يحاول المزاح:
ـ (لماذا كانت تبكي؟ هل كانت تمثل عليك يا أمي؟).
ابتسمت الأم رغم إرهاقها وقالت:
ـ (لا، كانت تبكي كعادتها كل صباح على الطعام).
ضحك علي بخفة بعد ليلة مظلمة وقال:
ـ (يا له من شعور، والله شعور مرّ ذلك الذي شعرت به عندما لم تجيبيني. أدعو الله أن يحفظك لنا).
فقالت أمه بعينين دامعتين:
ـ (اللهم آمين).
جلسوا جميعًا إلى المطبخ، بينما أمه تحضّر الطعام. قصّ علي عليها ما حدث في تلك الليلة. أصغت إليه بدهشة، ثم قالت:
ـ (سبحان الله، لهذا يقال إن شعور الأم لا يكذب. لكن… لم أقتنع بحكاية ذلك الرجل الذي أقدامه أقدام نعاج).
أقسم علي بشدة:
ـ (القصة حقيقية، ولم أكذب عليك في شيء. ناهيك أن أصدقائي سيأتون، لقد رأينا ذلك نحن والسائق).
هزّت الأم رأسها باستغراب، ثم رفعت يديها إلى السماء: حمدت الله وشكرته على ستره لابنها، واستجابته لدعائها، وهي التي لم تتوقف عن الدعاء تلك الليلة.
خرج علي من المنزل متوجهًا للتدرب في مدرسة الملاكمة، وما زالت كف العم حسين تحرق في قلبه. مشى علي وأثناء سيره لاحظ أحد أصدقائه الذين كانوا معه ليلة أمس، فتوجه نحوه ثم ضربه على كتفه وقال:
ـ (أهلا يا خالد، كيف حالك؟).
استدار خالد فوجده علي فمد يده وسلم عليه، ثم قال:
ـ (تعال قليلًا معي يا علي، كيف قضيت ليلة أمس بعدما حدث لنا في تلك الغابة؟).
فقال علي:
ـ (يا لها من ليلة سوداء! لقد عدت بعدها للبيت وحدث ما لم يكن في الحسبان).
فقال خالد:
ـ (ماذا حدث يا علي؟).
فأخبره علي بأن أمه قلقت عليه كثيرًا بسبب تأخره في العودة. فرد خالد:
ـ (معك حق، لقد وبخني أبي بسبب دخولي للبيت في وقت متأخر، لن نعيد ذلك. لكن يا علي هناك أمر مريب لم يفارق تفكيري).
فقال علي:
ـ (ما هو؟).
فأخبره خالد:
ـ (أريد الذهاب إلى تلك المزرعة التي ذهب إليها ذلك السائق لنتأكد من وجودها. عندما نزلتَ أنت أمام منزلك أكملنا الطريق مع السائق ووصف لنا أنا وعبدو المكان بكل تدقيق).
تحمس علي كثيرًا، فهو يعشق المغامرات، فلم يتردد ووافق على الذهاب بعد انتهائه من التدرب.
ودّع علي صديقه خالد واتفق معه على الالتقاء على الساعة العاشرة صباحًا بعد خروجه مباشرة من مدرسة الملاكمة.
وصل علي إلى قاعة التدرب، دخل مباشرة إلى غرفة تبديل الملابس، غيّر ملابسه وارتدى لباسه الخاص بالملاكمة ثم توجه إلى الحلبة.
بدأ علي التدرب، قام ببعض حركات التسخين، ثم ناداه معلمه وقال له:
ـ (ما بك اليوم يا علي؟ تبدو شاردًا على غير عادتك، وكأن حماسك انطفأ).
فأجابه علي:
ـ (يا معلم، لم أستطع النوم جيدًا ليلة أمس).
فقال مدربه:
ـ (حسنًا يا علي، أنت على موعد مع نزال مع شخص من المستوى الثاني، إذا تمكنت من هزمه ستنتقل مباشرة إلى المستوى الثاني).
تفاجأ علي مما سمع وقال:
ـ (كيف ذلك يا معلم وأنا لم أتدرب أبدًا في المستوى الثالث؟).
فقال مدربه:
ـ (يا علي لديك قدرات ملهمة، لقد تعلمت أشياء يصعب على أي ملاكم في سنك تعلمها، لقد تفاجأنا كلنا من مستواك. جهّز نفسك للموعد بعد ثلاثة أيام، أما الآن اذهب إلى المنزل وارتَح).
سعد علي كثيرًا مما سمعه من مدربه، خرج من القاعة فوجد أصدقاءه في انتظاره، سلّم عليه عبدو ثم بدأوا يتبادلون آراءهم فيما يخص ليلة أمس.
وصل علي وأصدقاؤه إلى محطة الحافلة ليتوجهوا إلى تلك المزرعة. ركبوا الحافلة وتوجهوا مباشرة إلى عين المكان.
وبعد ربع ساعة تقريبًا من المسير وصل علي وأصدقاؤه إلى ذلك المكان. نزلوا من الحافلة، وما إن انطلقت حتى عمّ السكون المكان.
توجهوا مباشرة نحو المكان الذي توقفت فيه السيارة ليلة أمس، فوجدوا بقعًا من دم السارق الذي كسر علي أنفه. فتوجهوا من ذلك المكان ودخلوا بين الأشجار.
وأثناء الطريق عثروا على شجرة كبيرة كما وصفها لهم السائق، الذي قال لهم إن المزرعة بعد الشجرة مباشرة.
تفاجأ علي وأصدقاؤه أنهم لم يجدوا أي مزرعة في ذلك المكان. أعادوا البحث جيدًا لكن دون جدوى.
قال خالد:
ـ (أعتقد أن السائق أخطأ في وصف المكان).
فرد عليه عبدو:
ـ (لا، لم يخطئ في شيء، هذا هو المكان بالذات).
فقال علي:
ـ (يا جماعة، أعتقد أن تلك المزرعة لا تظهر إلا في الليل فقط، وهذا ما يفسر ما حدث. ربما السائق دخل إلى عالم آخر).
وافق عبدو وخالد كلام علي، ثم عادوا من حيث أتوا خاليي الوفاض، لم يعثروا على المزرعة، وبقيت تلك المزرعة لغزًا محيرًا.
"وبينما كانوا يواصلون التقدّم بخطى متسارعة، كان عبدو وخالد يمشيان في المقدّمة، تاركين علي خلفهما بخطوات قليلة... وفجأة شعر علي بيدٍ باردة تُوضع على كتفه من الخلف، فارتجف جسده دون أن يجرؤ على الالتفات."
استدار خالد نحو علي ليرى سبب انقطاع صوته فجأة، فإذا به يتجمّد في مكانه من شدّة الصدمة. وما إن التفت علي إلى الخلف حتى وجد ذلك الرجل غريب الأطوار واقفًا خلفه. قاطع دهشتهم بصوت غليظ وقال:
ــ ماذا تفعلون هنا؟ لماذا عدتم؟
ارتبك علي وخالد ولم يجدا ما يقولانه، فتدخل عبدو نيابة عنهم وقال:
ــ يا عم، لقد جئنا فقط لنقضي بعض الوقت هنا، أعجبنا المكان لا أكثر.
سارع خالد وعلي لمساندته وقالا معًا:
ــ نعم، نعم يا عم، معه حق.
تأملهم الرجل لحظة ثم قال:
ــ لكن، كان من الأفضل ألا تعودوا إلى هذه المنطقة الخطرة، خصوصًا بعدما حدث لكم أمس.
ردّ علي بصوت خافت:
ــ نعم، معك حق يا عم.
ثم اختلس النظر إلى قدمي الرجل ليتفقدهما، فإذا بهما تبدوان عاديتين تمامًا، لا أثر فيهما لأي غرابة.
ابتسم الرجل وقال:
ــ تعالوا معي لأعرفكم على هذا المكان، إذا أردتم المجيء مرة أخرى.
رفض الأصدقاء في البداية بحجة ضرورة العودة إلى المنزل قبل الظهيرة، لكن الرجل أصرّ عليهم بإلحاح وأضاف:
ــ سأريكم مزرعتنا الخاصة بتربية الدواجن.
لم يتمكن علي وأصدقاؤه من الرفض أكثر، فوافقوا على مضض، وقلوبهم تنبض بالخوف. مشوا معه قرابة خمس دقائق وسط الأشجار الكثيفة، ثم فوجئوا بمزرعة صغيرة تظهر أمامهم فجأة في ذلك المكان المعزول، كأنها مخبأة عمدًا بين ظلال الغابة.
تقدم خالد بخطوة وسأل الرجل باستغراب:
ــ لماذا أخفيتم المزرعة بين الأشجار؟
رد الرجل بهدوء:
ــ تجنّبًا لقطاع الطرق، وأيضًا لحماية الدواجن من الذئاب.
دخل الجميع إلى المزرعة وجلسوا تحت ظل شجرة باسقة، بينما ذهب الرجل ليحضر لهم الشاي. دقائق معدودة وعاد وهو يحمل صينية بسيطة عليها أكواب الشاي الساخن، جلس إلى جانبهم مبتسمًا وقال:
ــ يا أبنائي، سعدت كثيرًا بهذه الزيارة. لدينا في الحقيقة مزرعتان، واحدة هنا وأخرى في الجهة العليا من الغابة.
قاطعه علي بفضول:
ــ يا عم، وكيف تواجهون اعتداءات قطاع الطرق؟
ابتسم الرجل وقال بثقة:
ــ لدينا كلاب مدرّبة، وكذلك بنادق صيد نحمي بها أنفسنا والمزرعة.
وما إن أنهى جملته حتى قاطعهم صوت خطوات تقترب من بين الأشجار. رفعوا رؤوسهم جميعًا، وما إن اتضحت ملامح القادم حتى تجمدوا من الدهشة... فقد كان يشبه الرجل الجالس أمامهم إلى حدّ التطابق!
نهض الرجل وقال مبتسمًا:
ــ أعرفكم على أخي التوأم، فتح الله.
صعق علي مما سمعه، وقال بتلعثم:
ــ هل هذا حقًا أخوك؟
أجابه:
ــ نعم، إنه أخي التوأم، لكنه لا يسمع جيدًا. أتواصل معه بالإشارة، وأضع أجراسًا في كل مكان لينتبه إذا اقترب أي سارق.
ارتاح الأصدقاء قليلًا بعدما فسر لهم الرجل بعض التساؤلات التي حيّرتهم، لكن سؤالًا واحدًا ظلّ يؤرق عليًا. ظلّ يتردد لحظة ثم تشجع وقال:
ــ يا عم، أريد أن أسألك سؤالًا حيّرني منذ البارحة... عندما كنا محاصرين من قبل قطاع الطرق، ركض السائق قبلك، لكنك سبقتَه ووصلت قبلَه، كيف تفسر ذلك؟ ثم... لاحظنا أن قدميك كانتا تشبهان أقدام الماعز!
ضحك الرجل طويلًا مما سمع، ثم قام من مكانه ودخل إلى كوخ صغير بجانب الحديقة. استغرب الأصدقاء من ذهابه المفاجئ دون أن يجيب، وتبادلوا نظرات حائرة. وبعد لحظات، خرج الرجل من الكوخ... فإذا بأقدامه قد تحولت بالفعل إلى أرجل ماعز!
انتفض علي وأصدقاؤه من أماكنهم، ارتجفت أجسادهم، وبدؤوا يصرخون في رعب. اقترب الرجل منهم وهو يضحك بصوت عالٍ قائلاً:
ــ توقفوا، توقفوا! ماذا جرى لكم؟
زاد اقترابه، فراحوا يتراجعون إلى الخلف بخوف شديد. لكنه مدّ يده نحو قدميه وقال:
ــ يا أبنائي، هذا مجرد حذاء!
ثم انحنى ونزع الحذاء وأراه لهم:
ــ أنظروا... مجرد حذاء خشن، شكله يشبه أقدام الماعز، أرتديه لأتجنب الأشواك وأغصان الأشجار.
اقترب علي ببطء، تناول الحذاء بين يديه، فحصه جيدًا، فإذا به فعلاً مجرد حذاء جلدي غريب الشكل. شهق وقال:
ــ سبحان الله... من بعيد بدا وكأنه أقدام ماعز حقيقية!
ضحك الرجل، ووضع يده على رأس علي بلطف وقال:
ــ أما بخصوص كيف سبقت السائق، فذلك لأن السائق تخبّط بين الأشجار والشوك، بينما أنا أحفظ الطريق جيدًا وسلكت دربًا مختلفًا.
تنفس الجميع الصعداء بعد سماع التفسير، وهدأ خوفهم. جلسوا مجددًا حول الرجل وتناولوا الشاي معه، ثم بعد فترة اعتذروا منه وغادروا. لكنه أصرّ على توصيلهم بشاحنته الخاصة، خوفًا عليهم من أي مكروه في طريق العودة.
عاد الجميع إلى منازلهم وكذلك علي الذي حكى لأمه ما حصل بضبط كانت أخته مريم تتفاعل مع كلامه ببتسامتها الحلوة و البريئة أما قيس و صفي فقد أعجبوا كثيرا بمغامرة علي أما أمه فقد عاتبت علي على عودته إلى ذلك المكان لكن وفي قرارات نفسها سعدت كثيرا بنضج علي الذي اصبح رجل يواجه مخاوفه بشجاعة .
عاد الجميع إلى منازلهم، وكذلك علي، الذي جلس مع أمه يروي لها ما حصل بالتفصيل. كانت أخته مريم تتفاعل مع كلامه بابتسامتها الحلوة والبريئة، تضيف دفءً للمشهد. أما قيس وصفي فقد أعجبوا كثيرًا بمغامرة علي، وعيونهم تتلألأ بالإعجاب والفخر.
أما الأم، فكانت ممزوجة بين العتاب والفرح، فقد وبّخت علي على عودته إلى ذلك المكان الخطر، لكنها في قرارات نفسها شعرت بالسعادة والفخر بنضج ابنها، الذي أصبح رجلاً يواجه مخاوفه بشجاعة ومسؤولية.
جلس الجميع لتناول الغداء بهدوء، والجو يعمه السكينة والراحة، حتى قُطع هذا الهدوء فجأة بصوت العم حسين، صارخًا بأعلى صوته على غير عادته.
طار علي قلبه من المفاجأة، وارتجفت يداه، رمى الملعقة من فمه، وهرع مسرعًا نحو مصدر الصراخ، عيونه متسعة ووجهه متوتر، يحاول فهم سبب غضب عمه المفاجئ.
.jpeg)
فتح علي الباب وهرول باتجاه عمه حسين ليرى سبب غضبه وما دعاه لرفع صوته. وما إن وصل إلى فناء البيت حتى وجد ابن أخ العم حسين، شفيق، يتشاجر مع عمه. اهنف علي إليهما وأسرع ووقف أمام عمه حسين قائلاً:
ـ عمي، ماذا حدث؟ لماذا تصرخ بأعلى صوتك؟
فقاطعه شفيق قائلاً:
ـ وما دخلك أيها المعتوه؟
وحاول أن يضربه بكف يده، لكن علي أمسك يده بقوة، ثم تكأ عليها بكل قوته وقال له:
ـ اسمع، لا يوجد معتوه في هذا المكان سواك. وليكن في علمك أن عمي حسين في مقام أبي، وأنا أفديه بنفسي، وأي شيء يصيبه يصيبني.
فرد عليه شفيق قائلاً:
ـ ماذا؟ طفل الشوارع كبر وأصبح يعرف كيف يتكلم؟! يبدو أنك تريد أن أعيد لك درس السابق.
رد عليه علي بصوت خشن فيه نبرة حادة من الرجولة:
ـ إذا أردت أن أفرم عظامك، جرب واقترب مني وسترى.
قاطع العم حسين شجارهم قائلاً:
ـ علي، عد إلى شقتكم.
بقي علي ينظر إلى شفيق بنظرة حادة ولهيب الغضب يشتعل داخل عينيه، فأعاد العم حسين كلامه:
ـ علي، قلت لك عد إلى شقتك.
رد علي:
ـ والله لن أترنح من مكاني إلا إذا غادر هذا السفيه المكان.
رد شفيق:
ـ والله لو لم يكن هنا عمي، لجعلتك تجمع أسنانك من الأرض أيها المعتوه. لكن تأكد أن ما قلته لن يمر… سيأتي اليوم الذي نلتقي فيه في الخارج، وسترى من يفرم عظم الآخر يا متشرد.
ثم أتبع كلامه قائلاً:
ـ يا عمي، سأعود للعمل في المصنع ولن أعيد ذلك التصرف، أعدك بذلك يا عمي. أنا منذ تلك الحادثة لم أستطع العثور على عمل. لقد تغيرت يا عمي… أعطني آخر فرصة، فأنا ابن أخيك المرحوم، لا تتركني للشوارع وتأتي بالغرباء.
بدأ بالبكاء ثم قال:
ـ يا عمي، منذ موت أبي ونحن نواجه تحديات الحياة بمفردنا. نعم، أخطأت، لكن أعدك أنني سأصحح خطئي.
تأثر كثيراً العم حسين مما سمعه من ابن أخيه، ثم قال:
ـ يا شفيق، اذهب الآن… غداً تعال إلى المصنع ونتحدث هناك.
استبدل علي دموعه بلكمة قوية ونظرة حادة تومض في عينيه كشررٍ يرعب الأعداء. لقد أدرك أن هذا العالم المظلم تحكمه شريعة الغاب؛ القوي فيه يأكل الضعيف، والرحمة لا مكان لها إلا في قلوب الشجعان الذين يحمون أنفسهم ومن يحبون.
لذلك عقد العزم أن يكون قوياً لا يُكسر، وأن يدافع عن نفسه بكل ما يملك من بأس.
غادر شفيق البيت بخطوات متثاقلة يجر معها غيظه وحقده، وهو يتوعد علي بكلمات مشحونة بالشر. لكن علي لم يرد عليه، بل اكتفى بابتسامة عريضة رسمها على وجهه، ابتسامة واثقة توحي بأن المعركة الحقيقية لم تأت بعد.
التفت نحو العم حسين فوجده يراقبه بعينين تختلط فيهما الدهشة بالفخر. خفض علي رأسه احتراماً وقال بصوت مبحوح:
ـ أعتذر يا عمي… لم أستطع تمالك نفسي، وأنا آسف.
اقترب العم حسين بخطوات هادئة، ووضع يده على كتف علي، فشعر علي بحرارة قلبه وصدق عاطفته، وقال:
ـ يا علي، لا داعي للاعتذار. بالعكس، أنا فخور بك… لقد أصبحت اليوم رجلاً حقيقياً، رجلاً يعرف كيف يدافع عن نفسه وعن عائلته.
تسربت الطمأنينة إلى قلب علي، وابتسم ابتسامة خفيفة وهو يرد:
ـ يا عم، كل هذا بفضل الله الذي سخرك لنا. لولاك لما وصلت إلى هذه النقطة، خصوصاً بعدما أدخلتني مدرسة الملاكمة… هناك تعلمت الكثير.
أشرق وجه العم حسين بنور الرضا، وقال بنبرة أبوية عميقة:
ـ الحمد لله الذي جعلني سبباً من أسباب رحمته. لكن انتبه يا علي… القوة سلاح ذو حدين، وإياك أن تستخدمها في الظلم.
دافع بها فقط عن نفسك، عن عائلتك، وعن كل مظلوم لا حول له ولا قوة.
شدّ علي قبضته بقوة، ثم ردّ بثقة:
ـ بإذن الله يا عمي، لن أظلم أحداً… وأعدك بذلك.
جلس علي بجانب عمه وقصّ عليه تفاصيل ما حدث وسبب تأخره، ثم أخبره عن النزال الحاسم الذي ينتظره غداً في مدرسة الملاكمة، حيث يمكنه الانتقال إلى المستوى الثاني مباشرة.
أصغى العم حسين بكل اهتمام، ثم ابتسم ابتسامة عريضة وهز رأسه قائلاً:
ـ يا بني، أبذل قصارى جهدك… افعل كل ما بوسعك لتفوز. أنا واثق بك.
ترك علي عمه وودعه، ثم صعد إلى شقته حيث كانت أمه تنتظره بلهفة، ملامح القلق مرسومة على وجهها، وعيناها تبحثان عن تفسير للصوت العالي الذي شق هدوء البيت. جلس بجانبها وأخبرها بكل ما حدث.
هزّت رأسها بأسى وقالت:
ـ يبدو أن شفيق لن يتركك وشأنك يا علي. تجنبه قدر الإمكان، فأنا واثقة أنه سيحاول أن يوقع بينك وبين عمك حسين.
رد علي وهو يزفر بحدة:
ـ معك حق يا أمي… ذلك الوغد لا يؤتمن. قد يفعل أي شيء ليبعدنا عن هذا البيت.
وما إن أنهى كلماته حتى اقتربت منه أخته الصغيرة مريم، بخطوات متعثرة، وابتسامة بريئة تضيء وجهها. حملها علي بين ذراعيه، وفجأة حركت شفتيها الصغيرة ونادت باسمه لأول مرة:
ـ علي…
تسمر في مكانه، وعيناه تتسعان بدهشة. نظر إلى أمه التي شاركته الصدمة، ثم قال وهو يبتسم بعاطفة غامرة:
ـ أعيدي ما قلتي يا مريم…
وبعد محاولات صغيرة، أعادت مريم نطق اسم أخيها بوضوح عذب، كأنها تهدي قلبه أعظم هدية. فرح علي كثيراً، واحتضنها بشدة وهو يقول:
ـ يا مريم، يا عزيزتي… أعدك أنني سأكون في مكان والدنا، لن أتركك أبداً تذوقين مرارة اليُتم. ستكونين قطعة من روحي يا صغيرتي.
ردت مريم بكلمات غير مفهومة، لكن ابتسامتها الطفولية البريئة والدافئة لخصت كل شيء.
جلس علي يلعب معها طويلاً حتى تغيرت ملامح وجهها الصغير، وانقلبت ابتسامتها إلى بكاء. عرف أنها جائعة، فحاول إسكاتها بينما أمه تحضر الطعام. صرخ علي بلطف نحو أمه:
ـ هلا تستعجلي يا أمي، أحضري لها الطعام.
فردت مبتسمة:
ـ إنه جاهز… أحضرها إلى المطبخ.
حملها علي إلى المطبخ، وما إن رأت الطعام حتى ارتمت بين يدي أمها بلهفة، تاركة علي في دهشته وهو يراقبها تلتهم الطعام بشهية كبيرة.
لم تكد تنتهي حتى أغمضت عينيها الصغيرة وغرقت في نوم عميق، كأنها رحلت إلى عالمها الخاص، عالم الطفولة البريء.
في صباح اليوم التالي، استيقظ علي كالعادة على ضربات أخته مريم بيديها الصغيرتين فوق ظهره. لم يكن بحاجة إلى منبّه، فمريم كانت بمثابة منبّه خاص به، إما توقظه بنفسها أو بصوتها حين تكون جائعة.
فتح علي عينيه ثم نهض من فراشه، توجه إلى الحمام وغسل وجهه، وعند انتهائه عاد إلى أخته مريم، حملها بين ذراعيه وتوجه إلى المطبخ، حيث وجد أمه تعدّ فطور الصباح. سلّم عليها ثم قال:
ـ صباح الخير يا أمي.
فردت عليه بابتسامة دافئة:
ـ صباح الخير يا ابني.
قال علي بحماس:
ـ يا أمي، لقد حان اليوم الذي انتظرته طويلاً… اليوم أنا على موعد مع نزال حقيقي فوق الحلبة، وإذا فزت به سأنتقل إلى المستوى الثاني مباشرة.
ارتسمت على وجه أمه ابتسامة، لكن وراءها خوف دفين على ابنها، وقالت بصوت مائل للرجاء:
ـ يا ابني، انتبه على نفسك… وإذا وجدت نفسك غير جاهز، فتجنب النزال.
طمأنها علي وهو ينظر في عينيها بثقة وقال:
ـ سأنتصر يا أمي… سأنتصر من أجلك، ومن أجل أبي رحمه الله، ومن أجل مريم وصفي وقيس.
ثم أضاف مبتسماً:
ـ قيس وصفي منذ فترة ينامان في بيت العم حسين… لقد اشتقت إليهما.
فردت عليه أمه:
ـ نعم، معك حق… لقد ذهبا مع زوجة عمك حسين إلى ولاية جيجل لقضاء فترة الصيف، وسنلتحق بهم نحن وعمك حسين لاحقاً.
تناول علي فطوره ثم صلى صلاة الفجر، ودعا الله بالتوفيق. وما إن بدأت الشمس ترسل أشعتها وتخفي خلفها ظلمات الليل، خرج علي من شقته على وقع دعوات أمه له بالتوفيق، وهو يشعر بمزيج من الحماس والرهبة، كأن قلبه يطرق صدره بقبضات صغيرة لا تهدأ. همس في نفسه:
ـ اليوم سأثبت أنني لست ذلك الطفل الضعيف والجبان.
توجه علي إلى مدرسة الملاكمة، وما إن دخل الصالة حتى لمح مدربه يناديه من بعيد. أسرع نحوه، ولما وصل، عرّفه المدرب على لجنة التحكيم قائلاً:
ـ هذا هو سبب استدعائكم… هذا الطفل موهوب جداً، ولديه قوة غير عادية. أعتقد أنه يستحق الرخصة الاستثنائية للالتحاق مباشرة بالمستوى الثاني.
رحّب به أعضاء اللجنة، وتبادل معهم التحية، ثم وعدهم ووعد مدربه ببذل قصارى جهده للفوز بالنزال. بعدها توجه إلى غرفة تغيير الملابس.
ارتدى علي ملابس النزال وبدأ بتسخين عضلاته، وما هي إلا لحظات حتى ناداه المدرب:
ـ هيا يا علي… لقد حانت ساعة الحسم!
دخل علي إلى الحلبة وقلبه يخفق بشدة… هل سيخرج منتصراً من هذا النزال ؟...
بينما كان علي فوق حلبة النزال، يقوم بحركات يديه لتسخين عضلاته، لمح خصمه قادمًا من بعيد. كان يمتلك جسدًا ضخمًا، عضلات مفتولة وبنية فيلوجية عالية. سقطت عيناه على عيني علي، فاشتعلت شرارة التحدي بينهما. وما إن صعد خصمه إلى الحلبة، طلب الحكم منهما القيام بالتحية الرياضية.
ناداه المدرب قائلاً: «تعال يا علي، هل أنت مستعد للنزال؟»
نظر علي إلى مدربه بنظرة حادة وقال: «نعم، مستعد، وسأفوز بالنزال بإذن الله».
قرأ علي دعاء التوفيق، ثم ناداهم الحكم معلنًا بداية النزال.
انقض الخصم على علي بكل قوته، محاولًا توجيه ضربات قوية ومباشرة، لكن علي تجنبها ورد بلكمة استقرت على وجه خصمه، معلنًا الحكم بأول إصابة مباشرة لصالحه.
تراجع الخصم قليلًا، وتأكد أن من أمامه ليس مجرد طفل، وأن كل ما قصه المدرب على علي كان حقيقيًا.
عاد الملاكم للنزال، محاولًا تمويه علي بخدعه، ووجه له ضربة بيده اليسرى، وما إن تجنبها علي حتى استقرت لكمة يده اليمنى على وجهه. تأثر علي من قوة الضربة، وفقد توازنه، مما استغله الخصم لتوجيه عدة ضربات مباشرة نحوه.
انتهى الشطر الأول من النزال بتفوق الخصم بنتيجة ثلاثة نقاط مقابل نقطة واحدة لعلي.
ناداه المدرب وطلب منه التماسك وعدم الشرود أثناء النزال، ومراقبة كلتا يدي الخصم.
بدأ الشطر الثاني، واقترب الملاكم من علي وبدأ يوجه نحوه لكمات سريعة. تجنب علي الأولى والثانية، لكن الثالثة لم يستطع صدها، فكانت الإصابة المباشرة الرابعة.
سقط علي على حلبة النزال متأثرًا بالإصابة في الأنف، ينزف كثيرًا.
المدرب يناديه من بعيد: «علي، ما بك؟ قم، قم!»
رفع الحكم يده وبدأ يحسب العد التنازلي لإعلان الفائز. وفي تلك اللحظة أحس علي بضبابية حجبت عليه مجال الرؤية، وبينما كان على وشك فقدان وعيه متأثرًا باللكمة القوية، سمع صوت همس خفيف:
«علي… علي…»
حاول علي فتح عينيه لكنه لم يستطع، فإذا به يرى والده أمامه يقول: «يا ابني، لا تستسلم، قم وعد للنزال، مادام الله معك ستنتصر، نعم ستنتصر».
على ضوء تلك الكلمات، استجمع علي كل قوته، فتح عينيه بصعوبة، أمسك بحبال الحلبة، ثم وقف متألمًا وبزق الدم الذي تجمّع في فمه، ثم ضرب بقبضتيه وقال: «لقد عدت، هيا تعال، لم ينتهِ النزال بعد».
اشتعل قلب علي بنيران العزيمة و لهيب الإصرار . تذكر والده ، وكذلك أمه، وكانت صورة والده لا تفارق عيناه . ثم همس في نفسه: «مادام الله معي سأنتصر في هذا النزال، نعم، من أجلك يا أبي».
نظر إلى الخصم بعينين ارتسمت فيهما عروق حمراء، وكأن لهيبًا اشتعل وسطهما. تذكر علي كل معاناته، حيث تجمعت كل تلك الذكريات في قلبه، فترجمها إلى عدد من اللكمات التي انتهت فوق وجه خصمه، وكأن لكاماته أصبحت من حديد. لم يستطع الخصم صدها أو الرد عليها، حتى انتهى به الأمر طريحًا فوق حلبة النزال.
تفاجأ الجميع من لكمات علي المتسارعة والمتتابعة، حيث لم يرها الخصم إلا بعدما أتلفت جزءًا كبيرًا من وجهه.
الآن الخصم ساقط على الحلبة ولا يستطيع الحراك، وبينما الحكم يتفقده لمعرفة ما إذا كان قد فقد وعيه أم ما زال قادرًا على مواصلة النزال، نظر علي إلى سقف الحلبة وشكر الله الذي أنقذه من الهزيمة في اللحظة الأخيرة. وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى أعلن الحكم نهاية النزال بعد عدة لكمات، انتهت بفقدان الخصم وعيه، معلنًا عن انتصار علي.
ما إن رفع الحكم يد علي حتى خر ساجداً، حامدًا الله الذي لم يتركه في أبسط الأمور وأصعب الفترات.
سعد علي كثيرًا بهذا الانتصار الصعب والمستحق. هنأه مدربه وكذلك لجنة المسابقات، التي تفاجأت من مستوى علي، واتفق جميع أعضاء اللجنة على أن مستقبلًا زاهرًا ينتظر علي في الملاكمة.
تسلم علي شهادة تقدير وعرفان، وكذلك الدرع الذهبي، والتقط مجموعة من الصور. بعد انتهائه، توجه مباشرة إلى الحمام ثم إلى غرفة تغيير الملابس، وهو متحمس وينتظر بفارغ الصبر متى يصل إلى البيت ليزف خبر فوزه لأمه وكذلك لعمه حسين.
كان علي حديث الساعة في مدرسة الملاكمة، وخرج منها تاركًا الجميع مندهشين ومتحدثين عن قوته التي لا تصدق.
توجه علي بخطوات متسارعة ليصل إلى بيته في أقرب وقت، والحماس يملأ قلبه، والسرور والفرح لا يفارقان وجهه. وبينما كان يسير في الأحياء الضيقة، اعترضت سيارة حمراء طريقه. اقترب علي من السيارة ليرى ما الخطب، حتى لاحظ باب السيارة يُفتح ببطء، وما إن فتح الباب حتى طفت ملامح وجه شفيق، ابن أخ العم حسين…
خرج شفيق من السيارة، ثم ابتسم ابتسامة صفراء وقال لعلي:
ــ كيف حالك؟
فأجابه علي بهدوء:
ــ بخير والحمد لله، ماذا تريد؟
رد شفيق:
ــ لا أريد إلا الخير، لقد أرغمني عمي حسين على الاعتذار منك وإصلاح سوء التفاهم بيننا.
نظر إليه علي بنظرة حادة وقال:
ــ هل أرغموك على الاعتذار مني؟ والله أمر مضحك! أنا لا أحتاج لاعتذارك، فقط ابتعد عن طريقي واتركني وشأني.
واصل علي سيره، لكن شفيق أمسك بيده قائلاً:
ــ يا علي، علينا الذهاب إلى عند العم حسين لنظهر له أننا تصالحنا. وأعدك أنني لن أعترض طريقك من اليوم فصاعدًا. لقد جلست معه لأربع ساعات، وقصّ علي قصتك كاملة... تأثرت كثيرًا بما مررت به، لكن من اليوم ستكون كأخي الصغير.
توقف علي ونظر في عيني شفيق قائلاً بصرامة:
ــ لن أكون شقيقك، ولن أتعامل معك لا اليوم ولا غدًا. فقط ابتعد عن طريقي.
ومضى في سيره.
صاح شفيق بأعلى صوته:
ــ يا علي، أنا أعرف مكان الفندق الذي اشتراه عمك مسعود...!
توقف علي فجأة، تجمدت قدماه من وقع الكلمات، وبدأ قلبه يخفق بسرعة. التفت إلى شفيق وقال:
ــ ماذا تقصد؟ أي فندق؟
ابتسم شفيق ابتسامة غامضة وقال:
ــ ألا تعلم بقصة الفندق الذي احتال به عمك على والدك؟
اندفع علي نحوه، أمسك قميصه بقوة وصاح:
ــ ماذا تقصد؟ ومن قال لك هذا؟
قال شفيق بهدوء:
ــ أفهم غضبك يا علي. اصعد معي إلى السيارة ونتحدث بعيدًا عن أعين الناس.
تردد علي، لكنه وافق بعد إصرار شفيق. ركب بجانبه، وانطلقت السيارة. لحظة صمت مرّت، ثم قال شفيق:
ــ سأخبرك بكل شيء، لكن عليك أن تعدني أن لا تخبر أحدًا أنني من باح لك، خاصة عمي حسين.
هزّ علي رأسه موافقًا.
قال شفيق:
ــ يا علي، العم حسين لم يدهس أخاك بالسيارة كما تعتقدون. هو كان صديق والدك المرحوم محمد، تربيا معًا ثم افترقا سنوات طويلة. عندما عاد إلى الوطن من فرنسا، بحث عن والدك فوجده قبل وفاته بأسبوع. لقد صُدم من حالته بعد أن احتال عليه عمك مسعود.
تنهد شفيق وأكمل:
ــ والدك كان تاجرًا يملك عدة محلات، فأقنعه عمك برهن أملاكه من أجل شراء فندق. لكن مسعود سرق الفندق ولم يرده إلى اليوم.
بدأت دموع علي تتساقط بغزارة. تمتم بصوت مبحوح:
ــ ولماذا كذب العم حسين وقال لي إنه دهس أخي صفي؟
أجابه شفيق:
ــ والدك ترك وصية عند العم حسين قبل وفاته، أوصاه أن يعتني بكم مثل عائلته. فاختار حسين أن يحمل الذنب على نفسه، ليحميكم من فتنة الانتقام، وليتفرغ لاستعادة حقكم من مسعود.
ارتجف صوت علي وهو يهمس:
ــ لماذا يا أمي؟ لماذا أخفيتِ عني كل هذا؟
ثم التفت إلى شفيق وسأله:
ــ هل أمي تعلم؟
قال شفيق:
ــ هي تعلم باحتيال مسعود، لكنها لا تعرف الحقيقة الكاملة عن حسين.
انهمرت دموع علي أكثر، غمرته الذكريات مع والده الراحل.
قال شفيق محاولاً مواساته:
ــ يا علي، أعدك من اليوم أنني سأقف بجانبك مثل أخي. لم أكن أعلم أنك ابن العم محمد... لقد كان صديق والدي أيضًا، وأنقذه من الغرق ذات يوم. لن أنسى فضله ما حييت.
لم يرد علي. كان تحت وقع الصدمة. نزل من السيارة بخطوات مثقلة، واتجه إلى شقته.
طرق الباب، ففتحت أمه وقالت بلهفة:
ــ ما بك يا علي؟ هل انهزمت في النزال؟ والله يا بني لم أتوقف عن الدعاء لك...
لكن علي لم يرد. دخل غرفته وأغلق الباب. تبعته أمه وجلست بجانبه:
ــ أخبرني، ماذا جرى لك؟ لقد أقلقتني.
رفع علي رأسه بصعوبة، عيناه تغرقان بالدموع، وقال:
ــ لماذا يا أمي أخفيتِ عني الحقيقة؟
شهقت أمه بدهشة:
ــ أي حقيقة تقصد؟
قال علي بصوت مكسور:
ــ حقيقة احتيال عمي مسعود على والدي.
تجمدت ملامحها، ثم جلست بجانبه وقالت:
ــ كنت أخشى أن تكبر وأنت تحمل في قلبك نار الانتقام يا بني... لهذا أخفيت الأمر عنك.
اقترب علي منها، مسح دموعها بيديه، وقال بعزم:
ــ أمي، أعدك أنني سأسترجع حق والدي من عمي مسعود... ولن أسامحه على فعلته أبدًا.
وهكذا، اكتشف علي الحقيقة المرة عن عمه مسعود... لكن يبقى السؤال:
هل سينجح في استرجاع فندق والده وإعادة الحق لأهله؟
في صباح اليوم التالي، استيقظ علي مبكرًا، وهو الذي قضى ليلته كلّها يتقلب على فراشه يفكر في خيانة عمّه لوالده محمد رحمه الله. كان الأمر أكبر من أن يهضمه قلبه.
توجه إلى الحمام وغسل وجهه، ثم قصد المطبخ فوجد أمّه تُعدّ الفطور. سلّم عليها قائلًا:
– صباح الخير يا أمّي.
فأجابته بابتسامة دافئة:
– صباح النور، ما سبب استيقاظك في هذا الوقت يا بُني؟
تنهد علي وقال:
– والله يا أمّي، لم أستطع النوم ليلة البارحة من شدّة التفكير في المكيدة التي تعرّض لها أبي رحمه الله.
نظرت إليه أمّه بحنان وقالت:
– يا بني، ما فات قد طواه الزمن، ولا داعي لنبش جراح الماضي. دع الأمر لله، فهو الذي يُدبّر بمشيئته.
قاطعها علي بعزيمة واضحة:
– أكيد يا أمّي، الله عوّضنا والحمد لله، لكن علينا أن نسترجع مال والدي... ليهنأ في قبره.
لمعت عيناها بفخر وهي ترى في ابنها رجولة تنضح من كلامه كالعسل، لكنها في الوقت نفسه شعرت بخوف دفين عليه من مكائد عمّه وخبثه، ذاك الذي استشهد ضميره في حربه مع نفسه الطمّاعة.
خرج علي من البيت على وقع دعوات أمّه له بالخير. وما إن خطا خطوات قليلة في الشارع، حتى دوّى صوت مزمار سيارة خلفه. التفت فإذا بسيارة شفيق، ابن أخ العم حسين. أطلّ شفيق من نافذته وناداه:
– اركب يا علي.
صعد علي إلى السيارة وسلّم عليه ثم سأله:
– ما الذي جاء بك؟
ابتسم شفيق وقال:
– الخير يا علي، الخير... أخبرني، هل فكرت في الأمر الذي حدثتك عنه؟
ارتسمت على وجه علي ابتسامة جامدة وهو يردّ ببرود:
– وما شأنك أنت في الموضوع؟ ماذا تريد مني؟
أجابه شفيق بنبرة اعتذار:
– يا علي، لقد أخبرتك من قبل، لنضع الخلافات جانبًا. لقد تغيّرت وندمت على كل الأذى الذي سببته لك. أعتذر منك... وأعدك أنني سأساعدك في استرجاع حق عائلتك. لدي الكثير من الأصدقاء سيقفون معنا في هذا الأمر.
حدّق علي في عينيه متسائلًا:
– وكيف سيساعدوننا أصدقاؤك؟
قال شفيق بحماس:
– أول شيء سنبحث عن مكان الفندق، ثم نضع خطة محكمة للإطاحة بعمّك، تمامًا كما فعل هو بوالدك. لا تقلق يا علي، اترك لي هذا الأمر، وأعدك أنّني سأبهرك حتى تغيّر نظرتك نحوي.
أطرق علي قليلًا ثم قال:
– حسنًا، اتفقنا. عليك أن تعرف مكان الفندق في أقرب وقت وتعلمني به.
نزل علي من سيارة شفيق، واتجه مباشرة نحو مصنع العم حسين.
دخل علي إلى المصنع يبحث عن العم حسين حتى وجده في أحد فروعه. سلّم عليه علي فردّ السلام، ثم قال: «أريدك يا عمّي حسين في أمر هام». تفاجأ العم حسين للحظات ثم قال: «حسناً، تعال معي إلى المكتب».
توجّه الاثنان إلى المكتب، والعم حسين يتساءل عن سبب مجيءِ علي في هذا الوقت المبكر. دخلا إلى المكتب؛ جلس العم حسين على كرسيه الخاص في مكتبه وجلس علي أمامه. ارتجفت شفتاه، ثِقِلَت الكلمات على لسانه وهو يحاول أن يكلم عمه حسين.
قال العم حسين: «ما بك يا علي؟ أنت اليوم على غير عادتك».
أجابه علي بلا مقدمات: «يا عمّي، لقد أخبرتني أمي بالمكيدة التي تعرّض لها والدي من طرف عمّي. سأعمل المستحيل لاسترجاع حق والدي». تفاجأ العم حسين وندهش، ثم تلعثم في الرد: «ماذا تقول يا علي؟» فرد عليه: «يا عمّي حسين، أنا أعلم بكل القصة ولا داعي لإخفاء الأمر عنّي. من اليوم قلت لك إنني سأعمل على رد حقي وحق عائلتي من عمّي، وسأبذل قصارى جهدي».
رد عليه العم حسين بصوت رقيق متقطّع: «لا أعلم يا ابني علي... الأمر صعب وصعب جداً، خصوصاً عليك. أنت في هذا العمر لا يمكنك أن تفعل شيئاً. اترك الأمر لي وأعدك أنني لن أخذلك يا علي».
قام علي من على الكرسي ووضع يده على مكتب العم حسين ثم قال بنبرة حادة: «سأسترجع حق والدي حتى ولو كلفني ذلك حياتي يا عمّي».
اتسعت عينا العم حسين من الدهشة؛ شعر بكلام علي يتغلغل في قلبه حتى أخلط مشاعره وأوقد شرارة كانت نائمة في قلبه لسنوات: شرارة الانتقام وحرقة احتيال العم مسعود على صديقه المفضل العم محمد رحمه الله. وقف هو الآخر من كرسيه، تجهّز نحو علي، وضع يده على كتفيه ثم قال بنبرة حازمة: «سنعمل معاً لاسترجاع حقك وحق أمك وإخوتك. أعدك أنني سأساعدك إلى آخر نفس في حياتي».
اشتعل قلب علي بالأمل والسعادة بعد سماع ذلك الكلام من عمه مسعود. توهجت عيناه بلهيب الانتقام، وهو يقول في نفسه: «سأنتقم لك يا أبي؛ سيتجرّع عمي من نفس الكأس الذي سقاك منه. أعدك بذلك».
بدأ شفيق فعلاً في اتصالاته لمعرفة مكان الفندق، وكثّف العم حسين هو الآخر جهوده في البحث عن سبل قانونية. أما علي فراح يفكّر في خططٍ مناسبة للإطاحة بعمّه. ذهب مباشرة إلى المكتبة بعد خروجه من مصنع العم حسين، إقتنى بعض الكتب مثل كتاب "خطة جهنمية" للكاتب غراز عبد الهادي، وأسرع إلى شقته ليطلع على محتويات الكتاب.
وصل علي إلى شقته، دخل إلى غرفته، وما إن جلس على سريره حتى سمع صوت أخته مريم تناديه من بعيد: «علي... علي». دنوت إليه رويداً رويداً حتى وصلت؛ حملها علي بين يديه وبدأ يلعب معها.
مريم الصغيرة، صاحبة الخدود الناعمة، أتقنت المشي كما أتقنت الكلام؛ احتفظت بابتسامتها الساحرة التي لا يستطيع أحد مقاومتها، وكذلك ببكائها الصاخب وعنادها . سماها علي «عيناد» نكاية بعنادها.
وبعد أن عادت مريم إلى أحضان أمها لتزعجها بدل أخيها، تناول علي كتاب "خطة جهنمية"، قلب صفحاته وبدأ القراءة على أمل أن يعثر على خطة أو طريقة تمكنه من الإطاحة بعمّه المحتال
وبينما علي يقلب صفحات الكتاب ويقرأ بكل جدية وتركيز، شعر باهتزاز في جيب بنطاله، فمدّ يده إلى جيبه فإذا به هاتفه يرن...
ردّ علي على الاتصال، فإذا به شفيق يقول:
– مرحبًا يا علي، كيف حالك؟
فأجابه علي: بخير والحمد لله، ماذا تريد؟
فقال شفيق: لديّ خبر سار لك يا علي، لقد عرفنا المكان الذي يقطن فيه عمّك مسعود.
فقاطعه علي مباشرة وهو متفاجئ:
– ماذا؟ ماذا قلت؟
قال شفيق: قلت لك يا علي لقد وجدنا المكان الذي يقيم فيه عمّك مسعود.
من شدّة الفرح والمفاجأة واللهفة، وقف علي على قدميه بعدما كان متكئًا على فراشه، وقال:
– يا شفيق، هل أنت متأكد مما تقوله؟
فردّ شفيق: نعم، نعم يا علي.
فقال علي: وأين يقيم؟
ردّ شفيق: سأخبرك بمكان إقامته، لكن بشرط...
فقال علي ساخرًا:
– ها قد بدأت تُظهر أنيابك من البداية، كنت أعلم أنك لن تساعدني دون ثمن. ما هو شرطك؟
فضحك شفيق بصوت مرتفع وكأنه يستفزّ علي وقال:
– يا علي، لماذا العجلة؟ غدًا سنلتقي وسأخبرك بشرطي، وأنت حرّ في القبول أو الرفض. غدًا على الساعة التاسعة والنصف نلتقي في المصنع ونتحدث.
أغلق علي الهاتف وهو يتساءل في أعماقه عن شرط شفيق، وماذا قد يطلب منه...
ثم نظر من النافذة، فرأى القمر يضيء المكان ويتسلل ضوؤه من خلال النافذة، فقال:
– يا من أضأت هذه العتمة بنور القمر، أنر قلبي بنور التوفيق والهداية.
اللهم أنت الرحمن، وأنت الرحيم، بل أنت أرحم الراحمين. لم تتركني منذ طفولتي إلى اليوم، ومتكلي عليك يا عزيز يا قدير.
ثم تناول الوسادة، وجهزها، ووضع رأسه عليها، وغَطّ في نومٍ عميق...
علي الآن أصبح على بُعد بضع خطوات من معرفة المكان الذي يخبّئ فيه عمّه رأسه.
عمّه مسعود كان يقيم في مدينة عوين تلفول، وكان منزله بالقرب من منزل علي الذي استولى عليه في النهاية.
لكن بعد مدة، انتقل من ذلك المكان وغيّر إقامته إلى مكان مجهول.
بحث عنه العم حسين كثيرًا، لكنه لم يتمكن من العثور عليه.
العم مسعود لا يوجد أي دليل مادي أو قانوني يثبت تورطه في الاحتيال، لأن العم محمد – والد علي رحمه الله – أعطاه مبلغ المال دون شهود أو وثيقة تثبت ذلك.
علي سيسلك طريقًا وعرًا مليئًا بالصعاب والمخاطر، في رحلة استرجاع حقه وحق إخوته الضائع في متاهات طمع عمّه.
ارتسمت أشعة الشمس في الأفق وبعثت خلفها ظلام الليل، فاحتضنت علي بأشعتها الدافئة ليستيقظ من نومه على صوت صفير العصافير.
فتح علي عينَيْه على اليوم الذي كان ينتظره منذ مدة؛ اليوم الذي سيعرف فيه المكان الذي يتوارى فيه عمه عن الأنظار. غسل وجهه، أخذ منشفته، ثم توجّه مباشرة إلى المكان السحري الذي تُطهى فيه ألزَّ وأشهى الأطعمة.
دخل علي إلى المطبخ فوجد أمه كالعادة تُهيئ فطور الصباح على نار حنانها ودفء قلبها، وهو ما زاد الطعام نكهته الخاصة التي تميز بها أمُّ علي عن باقي الأمهات.
قبل علي رأس أمه وسلّم عليها، فردّت عليه السلام وسألت عن سبب الحماس الذي يملأ وجهه. قال:
– يا أمي، أنا اليوم على موعد مع شفيق.
فردّت: وما السبب يا علي؟
قال: شفيق عثر أخيرًا على المكان الذي يختبئ فيه عمي مسعود.
تفاجأت الأم من كلام ابنها؛ تجمّدت الدماء في عروقها وبدأ قلبها ينبض بشدة كالطبول. قالت:
– ماذا تقول يا علي؟ ألم أطلب منك أن تتراجع عن الانتقام من عمّك وتترك الأمر لله؟ يا علي أرجوك، عدّ عن هذا الأمر فقلبي لا يتحمّل مشاكل أخرى.
ثم بدأت عيناها تفيضان بالدموع وهي تقول:
– حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا مسعود، ماذا فعلت بأخيك وأبنائه؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
تأثر علي كثيرًا بسماع كلام أمه، فاندفع نحوها، مسح دموعها بيديه ونظر إليها وقال بصوت خشن يزلزل القلب:
– لا تقلقي يا أمي، أعدك أني سأعيد حقي وحقكم ولن أتركهم يتنمّعون بمال والدي. حان الآن وقت أن يتجرّع عمي نفس الجرعة التي سقى بها والدي.
ردّت عليه أمه:
– أخاف عليك يا ولدي من كيد عمّك وأبنائه؛ فقد استشهد ضميرهم وقست قلوبهم عليكم يا ابني.
ردّ عليها علي بابتسامة وثقة:
– لا تقلقي يا أمي، سأعيد أموال أبي بنفس الطريقة التي استولى بها عمي مسعود. لديُّ خطة وجدتها في كتاب، وسأعمل على تطبيقها بنجاح.
وأضاف:
– لكن يا أمي، أنا في حاجة إلى بعض المال؛ ربما سأحتاج إلى كل المال الذي سبق وأن ادخرتِه. لكن تأكدي أني سأرجعه لك ضعفًا مضاعفًا. أمي هيا لنتحد — أنا وأنت والعم حسين — لنعيد أموال أبي ليهنأ في قبره.
هدأت نفسية أم علي قليلاً بعد سماع كلامه، ثم قالت:
– لكن عليك أن تعدني يا علي أن لا تواجه عمّك بشكل مباشر.
فردّ عليها علي:
– أعدك يا أمي، هذا وعد. أما الآن فشفيق ينتظرني.
خرج علي مسرعًا بعد تناول وجبة الإفطار، وأمه تدعو له: "اللهم وفقه وسدّد خطاه". توجّه علي صوب المصنع بلهفة ليلتقي شفيق ويتعرّف على المكان الذي يعيش فيه عمّه مسعود. في طريقه، لقي عمّه حسين، فأخذه معه في السيارة وتوجّها معًا نحو المصنع.
وبينما علي و عمه يتناولا أطراف الحديث بخصوص موعد علي مع شفيق، رنّ هاتف العم، فقطع ذلك الرنين حديثهم.
وما إن حمل العم حسين الهاتف في يديه، حتى بدت علامات التوتر على وجهه، فقال له علي:
ما الخطب يا عم؟ لماذا تغيرت ملامح وجهك مباشرة بعد هذا الاتصال؟ هل هنالك أمر ما؟
فردّ عليه عمه حسين بتردد:
لا لا… مجرد اتصال عادي، سأعاود الاتصال لاحقًا.
واصل القيادة باتجاه المصنع، وما هي إلا لحظات حتى وصلا أمام الباب. ركن العم حسين سيارته في المكان المخصص لها، ثم طلب من علي مواصلة طريقه عند شفيق على أن يلتحق به بعد قليل.
وافق علي، ومضى باتجاه المكان الذي يتواجد فيه شفيق في المصنع. وما إن مشى بعض الخطوات حتى لمح شفيق من بعيد، فناداه:
شفيق… لقد وصلت.
استدار شفيق نحوه وتوجه إليه مباشرة، سلّم عليه، ثم مضيا سويًا إلى مكتب العم حسين، ليتحدثا على انفراد.
وما إن دخلا إلى المكتب، حتى سأل علي شفيق عن مكان الفندق يتواجد؟
فرد عليه شفيق بنبرة هادئة تخفي ما وراءها:
لما العجلة يا علي؟ استمع أولا لشرطي، ثم إن وفقت عليه سأخبرك بمكان الفندق.
تردد علي قليلاً، وبدأ يشعر بحرارة الدموع على خده، ثم قال بحزم:
هيا قل شرطك… قل وسأنظر في أمره.
ابتسم شفيق ابتسامة ماكرة، ثم نظر إلى عيني علي وقال:
شرطي يا علي أن تغادر بيت العم حسين إلى الأبد مع عائلتك، ولا تعود أبدا إلى ذلك البيت مهما حاول العم حسين إقناعكم بالعودة.
تفاجأ علي مما سمعه، حدّق في شفيق بنظرة حادة، وقال بصوت خشن:
يالك من ماكر… وكما توقعت، أنت لا تقوم بالجميل دون مقابل. لكن ما هو هدفك من كل هذا؟؟
أجابه شفيق ببرود:
هدفي لا يمكنني الكشف عليه الآن، لكن هدفك أنت لن تصل إليه إلا بتحقيق هدفي، وأنت حر في النهاية. بمجرد موافقتك على المغادرة سنتوجه سويا باتجاه المكان الذي يتواجد فيه عمك مسعود لتراه، ثم تغادر البيت بعدها مباشرة.
نظر علي إليه بنظرة اشمئزاز، ثم أمسك مقبض الباب وفتحها وهمّ بمغادرة المكتب.
لحق به شفيق وصوته يرن من خلفه:
يا علي… فكر جيدا، أنت على بعد خطوات صغيرة لتسترجع تعب والدك المغتصب من طرف عمك.
توقف علي عن المشي، تسمر في مكانه، قبض يديه بقوة، ثم استدار لشفيق وقال بحدة:
يالك من معتوه…
ثم واصل طريقه.
خرج علي من المصنع منكسر القلب، وهو الآن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما معرفة مكان تواجد عمه، أو الخروج من بيت العم حسين والعودة إلى الشارع.
توجه علي مباشرة باتجاه الشقة التي يحتمي داخلها هو وعائلته من قساوة العباد في ذلك الشارع البارد والقاسي. وفي طريقه بدأت الذكريات المؤلمة تغزو عقله… ألم حادثة الطرد من البيت أعاد نفسه هذه المرة بطريقة مختلفة، لكن بذات المرارة التي لا تُنسى.
كان السؤال ينهش صدره:
هل سيرفض علي شرط شفيق ويواصل البحث بنفسه عن مكان تواجد عمه؟
أم سيقبل ويخرج أمه وإخوته الصغار إلى الشارع؟
مسؤولية كبيرة يحملها على كتفيه، وهو لا يزال طفلًا في نهاية السنة السادسة عشر من عمره.
كان علي يقف على منعرج صعب… منعرج لا يقلّ قسوة عن كل المنعرجات التي اجتازها من قبل، وربما أشدّ. ومع ذلك، ظل السؤال عالقًا داخله كظل لا يفارقه:
هل سيتعدّى هذا المنعرج بنور الإيمان وقوة التحدي والصبر؟
أم ستنقلب عزيمته على أعتابه؟
وصل تقي الدين إلى الشقة، فتح الباب، ولمجرد أن داست قدماه الأرض حتى لاحظته أخته مريم، فأسرعت باتجاهه، وما إن حملها بين يديه حتى بدأت تحتضنه بابتسامتها البريئة. قبّل يديها الصغيرتين ولعب معها قليلًا، ثم توجّه إلى المطبخ حيث وجد فيه أخويه قيس وصفي يتناولان وجبة الغداء.
سلّم عليّ على أمه وإخوته.
وما إن استدارت أمه إليه حتى وجدت وجهه يكسوه السواد، فتفاجأت الأم من الحالة التي اكتسى بها وجه عليّ، فسألته:
ما خطبك يا عليّ؟ لماذا يميل وجهك إلى السواد؟ ماذا حدث لك مع شفيق؟ هل عرفت مكان تواجد عمك؟
تنهد عليّ قليلًا ثم قال: يا صفي وقيس، هل أنهيتما طعامكما؟
فردّا عليه: نعم.
وأتبع صفي كلامه: لقد انتظرناك كثيرًا لنتناول الطعام معك، لكنك أطلت الغياب.
وردّ قيس: نعم يا عليّ، انتظرناك طويلًا حتى طلبت منا أمي تناول الطعام.
ابتسم عليّ، ثم أمسك قيسًا وصفيًّا وبدأ يداعب شعر رأسيهما وأجاب: لقد تأخرت بسبب الزحمة، لكن لن أعيد الكرة بإذن الله. أمّا الآن فاذهبا إلى غرفتكما والعبا بالألعاب التي أحضرتها لكما.
ردّ صفي وسعادة تملأ وجهه: هل أحضرت لنا الألعاب؟ شكرًا لك يا أخي.
وأسرعا هو وأخوه قيس إلى الغرفة لاكتشاف تلك الألعاب، أمّا عليّ فقد جلس مكانهما وقال لأمه: يا أمي، نعم، لقد تحدثت مع شفيق، وقد خيّرني بين معرفة المكان الذي يقطن فيه عمي، والبقاء في هذا البيت.
اندهشت الأم من الكلام الذي سمعته من فلذة كبدها، وقالت: والله من البداية كنت أشعر بوخزة في قلبي من هذا شفيق، وكنت متأكدة أنه لن يقدم لك شيئًا بالمجان، لكن يا عليّ، تأكد أنه مهما كان قرارك سأقف بجنبك، بل سأكون سندك بعد الله في أي طريق تسير فيه.
بدأت دموع عليّ تتسابق على خده بعد أن سمع كل تلك الكلمات التي أزاحت ذلك الثقل من قلبه، فترجّل عليّ من كرسيه وارتمى بين أحضان أمه، وقبّلها على رأسها، ثم قال:
الحمد لله الذي برحمته أغناني بكنز مثلك.
مسحت أم عليّ دموع ابنها وقالت: يا عليّ، تأكد أن الله سيجعل لنا مخرجًا، لا تقلق يا بني، صلِّ صلاة الاستخارة، وسيرشدك الله إلى الطريق الصحيح.
أمّا الآن فتناول طعامك قبل أن يبرد.
بدأ عليّ بالتهام ذلك الطبق الذي أعدّته أمه، وبعد انتهائه شكرها على أكلها الذي يترك أثرًا في القلب قبل المعدة، وسار إلى الحمّام، صقل أسنانه، ثم توجّه نحو غرفة إخوته، لعب معهم بتلك الألعاب التي كان قد اشتراها لهم، والتي سعد بها قيس وصفي كثيرًا، وحتى مريم اشترى لها عليّ حصانًا صغيرًا من البلاستيك لتمتطيه بدل ظهره عندما يكون نائمًا.
قبل دخول عليّ إلى البيت وبعد دخوله، تغيّرت حالته النفسية كثيرًا لمجرّد سماع كلمات أمه التي كانت تبثّ في قلبه الأمل، وتزيح كل الأثقال والهموم من قلبه الذي أطفأه شفيق بشرطه.
والآن، كيف سيكون اختيار عليّ؟ هل سيقبل بشرط شفيق ويعود إلى الشارع؟
في صباح اليوم التالي، استفاق علي على صوت أخته مريم التي تجرّ ذلك الحصان الذي اشتراه لها وسط أروقة الشقة، فابتسم علي وقال في نفسه: يا الله، لقد اشتريته لها لتمتطيه بدلًا من ظهري وتتركني أنام، فإذا بها تختار وسيلة أخرى لإيقاظي من النوم.
ثم مدّ يده إلى هاتفه، التقطه من فوق الخزانة، فوجد الساعة تشير إلى التاسعة صباحًا.
قام علي من فراشه وخرج من الغرفة بعد أن رتّبها، سمع تحركات أمه في المطبخ التي كانت تُعدّ كعادتها فطور الصباح، الذي زيّنت رائحته أنف علي، فتتبّع الرائحة حتى استقرّ به المقام في المطبخ أمام أمه، فسلّم عليها علي وقال:
صباح الخير يا وصية الرحمن.
فردّت عليه بابتسامة دافئة: صباح الخير يا علي، أرى أن حالك قد تحسّن اليوم خلافًا لحالة السواد التي اكتسى بها وجهك ليلة أمس.
ضحك علي ثم قال: نعم يا أغلى ما أمتلك في فؤادي يا أمي، لقد كتبت لك خاطرة لأعبّر فيها عن امتناني لك.
فردّت الأم وسعادة تغمر قلبها: هيا أسمعني إياها يا علي، أنا متشوقة لسماع كلماتك.
فقال علي:
فتحتُ عينيّ على همسات حنانك.
ترجّيتُ المولى أن يُبقيني طائعًا تحت أقدامك.
يا لكِ من جوهرة مكنونة صفاتك.
حملتِني في جوف أحشائك.
تسعةَ شهورٍ وأنا أتنفّس دفء أنفاسك.
امتلأت الدموع عينا أم علي بعد سماعها لتلك الكلمات التي كتبها علي لها بحبرٍ من الحب والامتنان، فقالت: يا علي، هذه أجمل خاطرة سمعتها في حياتي.
ثم انحنت نحوه وقبّلته على رأسه واحتضنته بدفء، وهي تقول: أبقاك الله لي، وحماك من شرّ خلقه.
خرج علي من البيت وهو مشحون بكل ذلك الحنان والدفء، وتوجّه مباشرة إلى منزل العم حسين. دقّ الجرس وانتظر قليلًا...
حتى أطلت ابنة العم حسين وفتحت له الباب، سلّم عليها وسألها عن والدها فأخبرته أنه في مكتبه.
توجّه علي صعودًا إلى مكتب عمه حسين، وما إن وصل حتى لاحظ عمه يمسك هاتفه ويتحدث بصوتٍ مهزوز. اقترب علي أكثر، وما إن لاحظ عمه حسين قدومه حتى أغلق الهاتف وقال: أهلاً بك يا علي، تفضل تفضل، ما سرّ هذه الزيارة المفاجئة؟
فردّ علي: صباح الخير يا عمي حسين، لقد جئت للاطمئنان عليك، وأتحدث معك بخصوص المكان الذي يتواجد فيه عمي مسعود.
فردّ عليه العم حسين: تأكّد يا بني أنني لم أتوقف يومًا عن البحث عن مكانه.
ثم توجّه نحو باب المكتب وأغلقه بإحكام، وأتبع كلامه قائلًا:
يا علي، أريد أن أخبرك بأمرٍ مستعجل، وعليك أن تصغي إليّ بإنصات.
فردّ علي: نعم يا عم، تفضل قل، أنا أسمعك باهتمام.
قال العم حسين: هل تتذكر ذلك السر الذي سبق أن أخبرتك به؟
فردّ علي: نعم يا عمي حسين، ما زلت أذكره، وهل هناك جديد بخصوص حالة ابنك؟
فردّ حسين: لقد اتصلوا بي من فرنسا وألزموني بالحضور في أقرب وقت ممكن يا علي. حالة ابني بدأت تتحسن كثيرًا وبدأ فعلًا يستجيب للعلاج، وعليّ الذهاب لأوقّع على أوراق العملية الجراحية.
سأذهب رفقة خالتك خديجة ورقية وعائشة. يا علي، اعتنِ بالبيت وكذلك المصنع إلى أن أعود، واحذر أن يكتشف شفيق أن ابني ما زال على قيد الحياة، هذا السر لا نعلمه إلا أنا وخالتك خديجة وأنت.
فردّ علي: هل ستطيل الغياب؟
فردّ عمه حسين: سأعود بإذن الله مباشرة بعد تحسّن حالة جهاد، وربما سيكون لك أخٌ وصديق. لقد أخبرته بكل ما حدث لك، وهو متشوق للقائك يا علي.
ردّ علي وقال: شفاه الله لك يا عمي حسين، وأنا أعدك أنني سأكون يدك وعينك في هذا البيت والمصنع. اذهب وأنت مرتاح.
خرج علي من بيت العم حسين وهو يشعر بسعادة، يقطعها خبر سفر العم حسين إلى الخارج. بدأ يفكر كيف سيردّ على شرط شفيق، خصوصًا بعد أن وعد عمه حسين بالاعتناء بالبيت والمصنع.
كيف سيتعامل علي مع هذا الوضع الجديد يا ترى؟
مرت خمسُ سنواتٍ كاملة منذ ذهاب العم حسين إلى فرنسا ولم يعد بعد، انقطعت اتصالاته منذ الشهر الأول الذي غادر فيه البلاد.
عانى عليّ الأمرّين مع شفيق وكذلك المدير الذي كلّفه العم حسين بإدارة شؤون المصنع في غيابه، ودبّروا له المكائد حتى أجبرُوه على ترك المصنع والبيت.
بلغ عليّ من العمر عشرين سنة، وقيس قد أصبح في عمر الثلاثة عشر سنة،
وصفي بلغ من العمر إحدى عشرة سنة هو الآخر، والصغيرة نور اليقين أصبحت في عمر الثماني سنوات.
مرّ عليّ بأوقات عصيبة، لكن كل تلك العواصف الصعبة واجهها بصدره، ولم يسمح لها بالتغلب عليه.
فتعرّف على العم صالح، فافتتح معه محلات بعد أن ترك له العم حسين قبل رحيله بعض المال الذي استثمره فيها.
وأعاد تأسيس حياته من جديد، بعد أن منحت لهم الدولة الجزائرية سكنًا في إحدى العمارات.
عمل عليّ بجد، وهو الذي تحصّل على شهادة التعليم الثانوي بتقدير جيد، وأكمل دراسته في الجامعة في تخصص المحاسبة وإدارة الأعمال.
حقق عليّ نجاحًا باهرًا في عالم التجارة لأنه تاجر مع الله عزّ وجلّ، فكان يمسح دموع الأيتام بجيبه ويسكت جوعهم، وكان دائمًا يقول لأمه:
يا أمي، الله سبحانه وتعالى لم يتركني في أعتم فترات حياتي، وكلما أتعرض للانهيار ينتشلني الله من ظلمات المعاناة إلى نور رحمته وفرجه.
يا أمي، والله سرّ نجاحي في تجارتي يعود إلى الله عزّ وجلّ.
يا أمي، كل فلس أخرجه ابتغاء مرضاة الله يعود لي أضعافًا مضاعفة، وأنا سعيد بفضل الله عليّ الذي بارك لي في مالي، ودائمًا أتذكر كيف كنت وكيف أصبحت.
يا أمي، كنت دائمًا أقول: ما دام الله معنا علم اليقين،
أمّا الآن فأصبحت أقولها من زاوية عين اليقين.
والله يا أمي، كل من يثق في العزيز القدير ثقة لا يتخللها شك، سيخرجه الله من متاهات الصعاب إلى طريق النجاة.
سعدت أم عليّ بذلك الكلام، وكانت هي الأخرى لا تتوقف أبدًا عن الصدقة على الفقراء عامة والأيتام خاصة، لأنهم مرّوا بنفس الوجع ولم ينسوا يومًا فضل الله عليهم.
وفي إحدى الليالي دنت خطوات متعثرة من باب الشقة التي يسكن فيها، سمع عليّ طرق الباب فقام ليرى من الطارق، وما إن فتح الباب حتى صُعق في مكانه من الصدمة، تجمّدت عيناه على الطارق وارتجفت شفتاه وهو يحاول أن يتكلم بصعوبة:
مـمـماذا تفعل هنا؟
وإذا بالطارق ابن عم حسين، أسرع إلى محاولة تهدئة عليّ وهو يقول ودموع تتلألأ في عينه:
يا علي، أبي يريد أن يلتقيك أنت وأمك وإخوتك، يريد أن يراك ربما لآخر مرة في حياته.
ثم لم يتمالك ابن عمه نفسه وانهار باكيًا على الأرض.
اقترب عليّ منه وحاول أن يرفعه من الأرض وهو يقول له:
ماذا حدث لعمي مسعود؟
وفي تلك اللحظات وصلت أمه لترى سبب الصراخ، فرأت ذلك المشهد بأم عينيها، فقالت في نفسها: سبحان الله، نفس الحادثة تكررت، منذ سنوات ابن عمه دفعه إلى الأرض وأسقطه عليها، أمّا عليّ فيحاول رفعه من عليها.
اقتربت الأم منه وهي تسأل والدهشة تملأ وجهها:
ما سبب قدومك؟ وماذا ما زلتم تريدون من أولادي؟ ألم يكفكم كل ما وصلوا إليه بسببكم؟
تلعثم ابن عم عليّ في الرد بصوت يكسوه الخجل وقال:
أبي يريد أن يراكم، تعالوا معي الآن، قد لا نلحق عليه.
عارضت أم عليّ الذهاب وقالت له:
لن أذهب أبدًا، ولن أعود إلى منزلهم المشؤوم، ولا أريد أن أتذكر تلك الأيام المريرة التي ما زال مذاقها المرّ إلى اليوم…
لكن عليّ وافق على الذهاب ليرى سبب استدعاء عمه مسعود له.
سبحان الله، عليّ بحث عليه كثيرًا ولم يجده، إلى أن وكّل أمره لله وتخلّى عن فكرة الانتقام، فجاء ابنه بنفسه ليقوده إليه.
وفي الطريق قال عليّ لابن عمه: أين تسكنون الآن؟
فردّ عليه: في بلدية الخروب.
وصل عليّ إلى بيت عمه مسعود، فتفاجأ بصغر مساحته، وهو الذي كان يتصور أن يتوه داخله.
دخل عليّ من الباب فوجد الجدران في حالة مهترئة، والأبواب منكسرة، والظلام يخيم على البيت، حتى إنه شعر بإحساس مريب وبالقشعريرة وعدم الراحة.
قابله عمه من داخل الغرفة بجسد نحيل ضعيف، تبدو عليه علامات الاحتضار، ينام على أريكة قديمة، وما إن رآه عليّ حتى اجتاحت ذاكرته كل تلك الأيام الصعبة التي مرّ بها بسببه.
حاول العم مسعود النهوض لكنه لم يستطع، حاول مسكه من يده لكن عليّ أبعد يده، ثم حاول الحديث وهو يحرك شفتيه الجافتين بصعوبة:
يا عل…ي، يا عل…ي، أرجوك سامحوني… لم أطق العذاب، سامحوني، لقد خسرت كل ما أملك ومعه جسدي وصحتي، أمّا الآن فأنا على وشك المغادرة… سامحوني.
نظر إليه عليّ وقال بصوت مبحوح والدموع تتسلل من عينيه:
يا عم، لقد مررنا بظروف صعبة بسبب طمعك، هل سأُسامحك؟ لا أستطيع يا عمي، أعتذر لا أستطيع مسامحتك. وأبي الذي رحل، هل يمكن لدموعك أن تسترجعه لي؟ لن أسامحك يا عم، وأنت الآن بين يدي الله، وهو خير وكيل.
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾
غادر عليّ تلك الغرفة على صوت غرغرة الروح في حلق عمه، والدموع تأبى التوقف، ويحاول عليّ مسحها بيده، وهو يقول في أعماقه:
لكل بداية نهاية، أمّا الآن فعمي بين يدي الرحمن يواجه نتاج أفعاله، وأنا عوضني الله من فضله، الحمد لله.
رحمك الله يا أبي وأسكنك فسيح جناته.
﴿وَالضُّحَىٰ
وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ
وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَىٰ
وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ
أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ
وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ
وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
النهاية .
"© حقوق الطبع والنشر محفوظة [ ما دام الله معنا 2025 ]. لا يجوز إعادة إنتاج أو توزيع أو نشر أي جزء من هذا العمل بأي وسيلة كانت دون إذن مسبق من المؤلف."
تعليقات
إرسال تعليق