البيت البارد وحضن الأم الدافئ
... بدأت زخات المطر تتساقط على وجه عمر.
مدّ يده إلى جيبه خشية أن تبتل الورقة النقدية التي تستقر فيه وحيدة، ثم حاول أن يحمي نفسه، فوضع يدًا فوق رأسه، واليد الأخرى في جيبه، ومضى في طريقه المظلمة، لكن وميض البرق كان يضيئها، وصوت الرعد يزلزل الأرض تحت قدميه، والوحل يلتصق بحذائه الممزق، أما رائحة التربة المبللة فقد بلّلت ذاكرته بذكريات أخذت من حياته ابتسامة الطفولة البريئة.
وبينما قدماه تسيران به نحو أحد المحلات، لمح من بعيد طفلًا لا يرتدي حذاءً، لكنه لا يرتدي جاكيطًا أيضًا، يجلس تحت أحد الأسقف، ويداه ترتجفان. وكان وميض البرق يصل إلى عينيه كاشفًا دموعه.
تقدم عمر نحوه ببطء، جلس أمامه ثم سلّم عليه.
نظر إليه الطفل وهو يضع يده على بطنه، لم يرد السلام لأن شفتيه قد تجمدتا، وبدت عليهما علامات الجفاف وجفاء الناس.
دهش عمر من صمت الطفل، فقال له بهدوء: "ماذا تفعل هنا يا صغيري؟"
نظر إليه الطفل مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يحرك لسانه أيضًا.
نظر عمر إلى السماء، ثم ابتسم، تنهد بعمق وقال مرة أخرى: "منذ سنوات كنت في مثل عمرك، كانت السعادة لها ذوق، والصداقة لها معنى، والقرابة لها ثوب كنت أرتديه على الأقل مرة في الأسبوع، لكن اليوم للأسف تمزق ثوبي وفقدت ذوقي، وبقيت تائهًا باحثًا عن المعنى."
نظر الصبي إلى عمر، قطع أنفاسه، لكن هذه المرة نهض من مكانه ونطق، وليته لم ينطق...
"أنا جائع..."
نظر عمر إلى ذلك الطفل، وحرارة الدموع تختلط بقطرات الأمطار، وراح يقلب صفحات ذاكرته، ثم مدّ يده وهمس في أذن الصبي: "لدي بضع دنانير في جيبي، تعال معي..."
أمسك الطفل من يده، فتفاجأ ببرودتها، كأنه أمسك حفنة من الجليد، ثم سارا معًا بعدما اكتفت دموع السماء عن النزول.
وبينما الاثنان يسلكان نفس الطريق، تردد عمر قليلًا، ثم نادى الصبي قائلًا: "يا صغير، ما اسمك؟"
فرد عليه الصبي: "محمد."
فقال عمر: "وأنا عمر، لكن ماذا تفعل في الشارع لوحدك؟ أين بيتك وأهلك؟"
توقف محمد عن المسير، تجمدت الدماء في عروقه، وازداد شعوره بالبرد.
اعتذر عمر منه، ثم نزع سترته ومنحها له، وقال: "يا له من يوم، ويا له من طريق، المحلات اليوم كلها مغلقة."
أمسك الطفل ببطنه وضغط عليها، ونظر إلى جانب مظلم من الشارع، فرأى نافذة يتسلل منها الضوء لينير المكان. دقق النظر فوجد أمًا وأبًا وأطفالًا يتناولون طعامهم في الدفء، مدّ يده المرتجفة إلى عينيه الدامعتين، ثم قال بصوت مبحوح:
"لدي أنا أيضًا أب... لكنه رحل..."
خفق قلب عمر بدقات متتالية، جلس على قدميه، أمسك الطفل بين ذراعيه، وقال له بصوت مهزوز:
"أنا أيضًا أبي ينام وحيدًا تحت التراب، لا تحزن يا صغيري، وتوقف عن البكاء حالًا."
توقف الطفل عن البكاء، لكن دموعه ما زالت تنزل.
حاول عمر مسحها بطرف ثوبه، لكنه لم ينجح في ذلك، فكانت تتجدد على خده، وكأن منبعها غير العين.
تنفس الطفل بعمق، ثم نظر إلى السماء، وقال بصوت مكسور:
"أتقاسم الأرض الباردة في الشتاء القاسي مع أمي، لكن في الصيف أتقاسمها معها أيضًا."
نظر إليه عمر باستغراب، فلم يفهم شيئًا مما قاله محمد، ثم رد عليه:
"ماذا تقصد بكلامك؟"
رد عليه محمد بهدوء: "يا صديقي، قد اختلفت الفصول والشهور، لكن لم تتغير حالنا وفراشنا الصلب.
فما بقي عالقًا في الذاكرة لن تستطيع الأمطار غسله، ليس لدينا الموقد والنار، ولا نمتلك الملح والدقيق أيضًا، لتعجن لي أمي عجينًا يطعم أحلامي..."
تنفس عمر بعمق، ثم قال: "ما أحوجك يا صغيري إلى ابتسامة تزين وجهك وتزيح هذا العبوس.
أحيانًا ما نراه قد يختلف عما نشعر به في أعماقنا، ولكننا دائمًا مجبرون على البقاء والصمود، لا لشيء إلا لأننا نؤمن أن الشمس ستسطع يومًا مهما غطتها السحب."
نظر محمد في وجه عمر، ثم استرق النظر إلى قدميه، فوجدهما متسختين بالوحل، فابتسم ابتسامة جامدة باردة كبرودة ذلك اليوم، وقال بصوت مهزوز:
"قد تشرق الشمس، لكن لن نشعر بنعيمها، فإن أطلقت أشعتها أحرقتنا، وإن أخفتها شعرنا بالبرد.
من يشعر بنعيمها هم من يختبئون تحت الأسقف ووسط القصور."
وإن لم أستطع توفير دواء لأمي القابعة بين حويصلات الماضي ومضبطات الواقع، وإن كثرة المارة بجانبنا ليلًا يسمعون أنينها من الوجع، لكن لا يجرؤ أحدهم على الالتفات...
ضحك محمد مطولًا، ثم أشار إلى السماء وقال: "هم أنفسهم من يدعون الله في صلاتهم بالفردوس الأعلى."
اتسعت حدقة عين عمر مما سمعه من الصبي، وقال: "يا صغيري، كلماتك أكبر من عمرك..."
ابتسم محمد ابتسامة متعبة، وقال: "أرى من بعيد أطفالًا يلعبون ويمرحون، أما أنا فعلمتني الدنيا دروسًا دفعت ثمنها من طفولتي..."
وقف عمر حائرًا بين عمر الصبي وكلماته، وقال:
"يا صغيري، الدنيا غربلتنا بين أيديها، ربما ما يحدث لك اليوم سببه استشهاد ضمير البعض، لكن علينا أن نصمد في وجه العواصف..."
ضحك محمد ثم قال بنبرة حادة:
"لا يهمني العباد ما دام ربهم معي."
ضحك عمر هو الآخر، ثم وضع يده على كتفه وقال له:
"يبدو أننا لن نجد محلًا مفتوحًا اليوم، وقد نبيت بالجوع."
رد عليه محمد وقال: "لقد ألفنا واعتدنا ذلك الشعور..."
واصلوا طريقهم إلى أن وصلوا سويًا إلى المكان الذي يجلس فيه محمد جانب أمه، يفترشون فراشًا هشًا مبللًا بالأمطار، حتى رائحة العفونة تملأ المكان.
نظر عمر في وجه أم محمد، سلّم عليها، لكنها لم تعره أي انتباه. ردت السلام ببرود، ولسان حالها يقول: "كالعادة، أحد المارة أو أحد عمال البلدية."
وجهها يميل إلى لون الليمون الأصفر، شفتيها زرقاوان تحركهما بصعوبة، أما يداها فترتجفان، وكل هذه الملامح يحملها جسد نحيل.
ترتدي أم محمد رداءً رثًا، ونعلًا ممزقًا خيط بالسلك، وتغطي رأسها بسترة سوداء كسواد ذلك المشهد.
أغمض عمر عينيه بعد أن شعر بحرقة في داخله.
تذكر تلك الورقة النقدية التي استقرت داخل جيبه طيلة أيام، تردد قليلًا، ثم أدخل يده إلى جيبه وأخرج تلك الورقة، وقال:
"هذا كل ما أملكه، وما أستطيع مساعدتكم به، تفضلي يا سيدتي، فلن تفشل هذه الورقة في إسكات جوع محمد."
رفعت أم محمد عينيها حتى استقرتا على عيني عمر، وقالت له بجدية:
"أرجع ورقتك هذه إلى جيبك، فأنت أولى بها منا، أما نحن فلنا رب يسوق لنا الأرزاق.
رائحتها تزعجني وتذكرني بشعور مرير قد أسر قلبي حزنًا ويعيد طعمه المر."
توسعت عينا عمر مما سمعه، ثم رد بسرعة:
"ماذا! لكن يا سيدتي؟"
قاطعته أم محمد وقالت له:
"هذه الورقة تُعرض فتُمنح لتسلب العزة والكرامة، لكن والحمد لله، النوم فوق التراب وفي وحشة الليل خير لي من افتراش الذل والمهانة."
جلس عمر يفكر، وبدأ يفكك كلام السيدة ليحاول الرد عليها، لكنه لم يستطع، وكأن لسانه رُبط.
قاطع محمد شروده قائلًا: "يا عمر، أمي لم تعد تثق في أحد."
وقفت أم محمد، ودنت بخطوات متعثرة بجانب موقد مهترئ، نزعت من عليه القدر، ثم وضعت القهوة في فنجان، وقدمتها إلى عمر، وقالت:
"يا بني، هكذا كنا نكرم ضيوفنا عندما كانوا يزوروننا في بيتنا الكبير، فقدنا البيت لكن ما زلنا محافظين على عاداتنا، تفضل، تفضل."
أمسك عمر الكأس بيده، ثم قال ممتنًا:
"شكرًا لك سيدتي، لا داعي لأن تتعبي نفسك..."
ردت عليه السيدة أم محمد عائشة:
"على الرحب والسعة."
أمسك عمر كأس القهوة بيديه المرتجفتين داخل ذلك الكوخ الهش الذي سقفه لا يستطيع الصمود في وجه الريح، أما أبوابه فكانت بالية، قديمة ومكسورة، صفير الرياح يخترق هشاشة الجدران وسط الثقوب، أما قطرات مياه الأمطار فكانت تعزف ألحانها داخل كل ركن من ذلك البيت العتيق.
همس عمر في نفسه قائلًا:
"الآن فهمت ما يقصده محمد من النوم فوق الأرض."
لقد انتهى عمر من القهوة، وضعها فوق المائدة.
كان محمد يلعب بدميته التي صنعتها والدته له بالقصب، أما عمر فكان يقلب عينيه وسط ذلك الكوخ وسأل السيدة عائشة أم محمد:
"كيف تنامون وسط هذا الكوخ الذي يخترق البرد جداره بسهولة؟"
نظرت الأم إلى عمر وقالت له: "الحمد لله، هناك من لم يجد حتى هذا الكوخ ويبيت في العراء."
تفاجأ عمر من رد السيدة عائشة، ثم سألها إن كانت في حاجة إلى مساعدة، فردت مبتسمة:
"يا بني، أنا في حاجة ماسة إلى أن أرى ابني يومًا يلبس لباسًا جديدًا، ويتغطى بفراش دافئ طري ونظيف، ويدفئ معدته، قلبي ينفطر في المناسبات، ويزداد حزنًا يوم العيد..."
"يا إبني الفقير، ليس منشفة تمسح بها سيئاتك وتستعرض بها أخلاقك.
بل الفقير هو إنسان يشعر بالبرد والجوع، كثيرهم يظنون أن الفقير أعمى ولا يشم الروائح."
"لكن ما أحتاجه منك يا بني أن تدعو الله في صلواتك بأن لا ينهار هذا السقف الهش فوق رأس ابني ورأسي، وأكون أمًا فاشلة لم أوفر لابني لا بيتًا ولا لباسًا ولا فراشًا دافئًا، وأفشل حتى في الحفاظ على حياته."
بدأت الدموع ترسم طريقها على خد عمر وقال بصوت مكسور:
"والله يا سيدتي ربما لا يشعر بالمذاق المر إلا من تجرع كأسه."
قاطع صوت بكاء محمد حديثهم وهو ينادي أمه قائلًا: "أمي أنا جائع وأشعر بالبرد..."
نظرت أمه إليه للحظات، اقتربت إليه وراحت تحاول تدفئته بحضنها حتى أحس بدفء دموعها على رأسه.
أما عمر فخرج مسرعًا من ذلك الكوخ وأسرع في البحث عن أحد المحلات ويهمس لنفسه:
"يا الله لقد هجرت الرحمة قلوب الناس، أقصى ما يحلم به البعض، أكلاً لذيذًا ولباس دافئ."
وضع يده على عينيه ماسحًا دموعه، وفجأة وجد أحد المحلات مفتوحًا، أسرع واشترى أكلاً دافئ لمحمد وأمه بورقته النقدية الوحيدة، ثم عاد إلى بيت محمد. طرق الباب، لكن لا أحد يرد، انتظر للحظات ثم أعاد الطرق، لكن لم يسمع إلا صفير الرياح تتجول بحرية داخل ذلك الكوخ.
فتح عمر الباب، دخل مسرعًا ليعرف سبب تأخر محمد وأمه في فتح الباب... تجمد الدم في عروقه وتسمر في مكانه للحظات، حتى أن الكيس سقط من يده.
أسرع إلى السيدة عائشة، ناداها عمر:
"يا سيدتي لقد عدت!" لكنها لم تحرك ساكنًا، رغم أن عينيها كانتا مفتوحتين وآثر الدموع عليهما.
بدأت دقات قلبه تتسارع، تردد قليلًا، لكنه دنى تجاهها، حركها حركها وهو يناديها:
"سيدتي أرجوكِ أجيبي لقد عدت!" لكنها لم تحرك ساكنًا.
توجه عمر إلى محمد الذي كان هو الآخر بين ذراعيها، ناداه:
"يا محمد لقد أحضرت لك الطعام إنه دافئ، قم لتتناول طعامك!"
لكنه كان صامتًا صمتًا حد الرعب، لم يجيبه على كلامه.
وضع عمر يديه على جسده فوجده متجمدًا.
جلس عمر على الأرض للحظات وبدأ كلام السيدة عائشة يغزو ذاكرته.
تذكر عندما قالت له أنها تخاف أن تفشل في الحفاظ على حياة ابنها، فبدأت دموعه تتسابق على خده وقال في أعماقه:
"والله يا سيدتي لم تفشلي، بل نحن من فشلنا في الحفاظ على إنسانيتنا وإسلامنا."
النهاية...
"© حقوق الطبع والنشر محفوظة [ البيت البارد وحضن الأم الدافئ 2026 ]. لا يجوز إعادة إنتاج أو توزيع أو نشر أي جزء من هذا العمل بأي وسيلة كانت دون إذن مسبق من المؤلف."

تعليقات
إرسال تعليق